الرئيسية حوار الوارف أكتب لأعاقب العالم على أخطائه!

دراسات ميدانية





أكتب لأعاقب العالم على أخطائه! PDF طباعة البريد الإلكترونى
الثلاثاء, 08 دجنبر/كانون أول 2009 01:15

  

 

 

حوار الشهر مع الشاعرة لينا الطيبي
حاورها هاني نديم
"إنما وجد الشاعر ليرمم نقصاً ما في هذا العالم!؟"؛ تفسر تلك الجملة الشهيرة للبياتي حقاً محاولات جميع الشعراء تغيير هذا العالم على اختلاف ترجمتهم لهذا المفهوم وتباين أدواتهم المعرفية واللفظية؛ من جهتها تحاول الشاعرة السورية لينا الطيبي بهدوء وشفافية إعادة صياغة الكثير من المسلمات التي بين أيدينا.تغيرّها بلطف لتعيدها إلينا من وجهة نظرها، تثير أسئلتها الشعرية ولا تنتظر الإجابات!

 الطيبي أصدرت مؤخراً ديوانها الأخير "مقسومة على صفر" ، التقيتها في القاهرة، وسألت:


• نحو شخصك، هل علي أن أستند إلى شعرك في محاورتك، هل يعكس ماهيتك، أأنت تلك القصائد الموغلة في الأسى؟

ـ أعتقد أن شعري يكشفني.. والتوغل فيه يصبح توغلاً في داخلي.. أنا شخص يعيش داخل الكتابة.. يحيا في عالم تصنعه مخيلته.. والمخيلة أرض الكلمة؛ أرضٌ حرفها يعكس ماهيتي إلى حدّ كبير، ولكنني أعتقد أنه ليس مكشوفاً بالشكل الكافي لقراءة مفضوحة. فالشعر أيضا يبني من لحظة نحن نؤرخها عندما نكتبها هكذا قد تصبح واقعاً معاشاً ومتكرراً.

هناك من القصائد ما ينبني من حياة متكاملة، وهناك ما ينبني من لحظة.. قد تكون اللحظة نفسها موغلة في الأسى وقد تكون ضاحكة.. لكنني في العميق مني أشعر بأن الحزن بما يتضمنه من شجن لا الأسى قيمة تجعل الانسان يدرك ما لا يدركه في الضحك.
نحو شخصي؟ إذن أعتقد أن شعري يشكل صورة شخصية لي.. صورة حتى ترسم ملامحي... ربما لا أستطيع أن أهرب من هذه الحقيقة... نعم أنا تلك القصائد الموغلة في الأسى.. لكنها أيضا القصائد التي تنشد الطيران عالياً، ترسم غبطة جناحيها في اللامتناهي بين الصحو واليقظة، أول مرة كتبت ما يشبه القصيدة... قلت في هذه الورقة السوداء.. في ضبابها.. تأمل جيدا، هناك نقطة بيضاء قد تفترش النقطة البيضاء موجودة تتسع أحيانا وتخفت أحياناً. لكن من منا في هذا العالم لا يشعر بالأسى وهو يشاهد غربة روحه في عالم يقف شرطياً أمام تحليقه؟

• تكتبين فجائعاً لطيفة..باستخدام ثيمات لفظية في غاية الهدوء، كالربيع والزهر والحديقة، كيف تستخدمين رقة اللفظ لتوصيف وحشية المعنى؟
ـ ربما لأني أرى ما أكتبه.. أعتقد أنه يصعب علي الإجابة عن هذا السؤال.. حيث سأنحو باتجاه القول انني أميل لأناقة اللغة، أحبها أنيقة، تماماً مثلما أقف لأواجه المرآة بابتسامة
عندما أقرأ شعرا أشعر بثقل الكلمات أحيانا.. ليس بوسعي مثلا أن أقرأ كلمة قيح لأني أراه... أنا أرى ما أكتب أتلمسه وأعيش في تفاصيله في لحظة الألم أطبق عيني فما أعود أرى الا الظلال.. الظلال التي تتناثر بمودة بالغة.. حينها أدرك أن روحي تنسحب الى طبيعة أنقى
حقيقة هذا سؤال إجابته صعبة بالنسبة لي.. ببساطة .. وبلا محاولات.. لا أدري.. ببساطة أكبر.. هذا ما أراه وأعيشه.

• بعد ديوانك "أهز الحياة" يأتي ديوانك "مقسومة على صفر"، هل هذه الإشارة بأن الحياة التي كنت تعالجين مواتها ماتت؟
ـ ما من حياة تموت!، الموت للموت والحياة للحياة... المقسومة على صفر هي تلك التي تلامس كل الأشياء ولا تُنتقص، التي تستطيع أن تهزّ الحياة لتوقظها من ثباتها ولتعاود اثبات وجودها فيها، كرّ وفرّ كما في معارك الوجود... الموت بالنسبة لي دائما ظل حالة ولادة جديدة.. رغبة في بداية مختلفة.. الموت السريري نهاية.. والموت في الروح حالة تماما مثل انفلونزا طارئة.. من الممكن العلاج منها، لا الحياة التي عالجت مواتها أحيانا أراها تشتعل في فضاء كبير.. وتنوس أحيانا في صحراء حارقة.

• لم كل هذه المدة بين ديوانيك الأخيرين؟

ـ حالة قلق كسل خوف، لا أعرف، أستطيع أن أقول هذا خطأ فادح أرتكبه في حقي كشاعرة وفي حق نصي ووجوده، حقه في أن يشهد ولادته في داخلي قرارات ثورية دائمة.. لدي فرمانات طويلة.. دساتير وقوانين كلها أضعها لنفسي، وكلها أخذلها مع نفسي
في أحلام يقظتي أصدر في كل يوم جديد ديواناً.. أعيش في فرحة صدوره، أشم رائحة حبره..أمسك النسخة الأولى مثل رغيف ساخن غادر الفرن للتو!، أفرح كثيرا، أعيش غبطة لا متناهية .."ستوووب" انتهى الحلم انتباه!! فيما أنا لا أنتبه آخذ بنومي ما عجزت عنه يقظتي، لهذا.. ربما أكتفي بحلم ينتهي بعينين مفتوحتين!، لست جشعة يكفيني أن أصدر ديواني مرة وأنا مغمضة العينين.

• سمعت أن هنالك عملاً روائياً بين يديك قيد الإنجاز، بم تحدثينا عنه؟
ـ لو فقط صبرت قليلا وأنا مفتوحة العينين ستصدر روايتي مع مطلع السنة القادمة...
الرواية بدأت في كتابتها منذ 3 سنوات... لكنني في ارتباكة البدايات أشعر بطفولة عجيبة، فأخاف، لو فقط بقيت مفتوحة العينين سأمسك روايتي بأصابع اليقظة
لا أستطيع الحديث عنها لأني أعيش تفاصيلها... كل ما أستطيع أن أقوله ان الرواية تنتمي الى لغة الشاعرة بالتأكيد.. ولكنها في فضائها الشعري ترسم عالمها الذي يلامس شخوصه الساعية إلى إعادة بناء نفسها وهي تهدم في كل مرة ما بنته لتبدأ من الصفر
لأكن أكثر حقيقية ومباشرة..لا أعرف كيف أتحدث عن روايتي!.

• لك رأيٌ يرفض فكرة الجيل الأدبي الواحد، ما مفهومك للزمن إذن؟

ـ أعتقد أن المفهوم نفسه قد يتحول الى زمن، لا أؤمن بفكرة المجايلة نسبة الى العمر، ما أؤمن به فكرة المجايلة بالأفق واللغة والفكر، الفكر بوسعه أن يقيم زمنه، الأفكار هي التي تقوم برسم ملامح التاريخ، الآن ليس بوسعنا أن نتذكر من من شعراء الجاهلية كان يكبر الآخر بعقد أو أكثر، نستطيع أن نشعر هذا باللغة وما تمنحه من آفاق جيلي بالتأكيد هو ذلك الذي أقرأه وأحسه لا يهم إن كان أكبر مني سناً أو أصغر.. هو جيلي لأننا التقينا في أرض الزمن الأوسع.

• كلما جاء الصباح
أسدلنا الستائر
وخبأنا الشمس في الخزائن
هو صباح الأيام كلها، وصباح الشموس التي أحصينا
شموس صغيرة بحجم الكف.
ولدينا ما يكفي من الأبواب
لنبقيها خارجاً.
هذا مقطعٌ من نصوصك أحبه،..تذهلني قناعتك بالأشياء والجمادات وعدم قناعتك بالإنسان، في أغلب نصوصك، لمن توجهين خطابك الشعري فعلاً، يشغلني ذلك؟


ـ ويشغلني ربما أنا أيضا ربما لمن يتشابه معي.. ربما للكائن الذي يترفع ويعيش انسانيته بمعزل عن التقسيم، في الأشياء حيوات بالغة الرهافة.. الشمس التي تتسلل إليك فتفتح عينيك على الصباح حياة بالغة الرقة والقسوة في آن واح، موج البحر الذي يتدفق يرتفع ليموت، يلوذ بالشاطىء وهو في قمة ضعفه.. يختار أن يموت على الحافة، يتوالد ويموت، هذه إنسانية كاملة..هذه الأشياء تحدثني وأحدثها، ينفتح الباب بأصابعنا، لكنه ينفتح لنا، وقبل أن نضع أقدامنا خارج الباب ننتبه الى أن المقبض الأصفر فتح لنا البوابة.. الحياة في الأشياء وفي تفاصيلها الصغيرة.
لمن توجهين خطابك؟ لم أشعر يوما انني مطالبة بالخطاب، أعتقد أنني أكتب لنفسي ولمن تشابهه نفسي أحيانا أكتب لأعاقب العالم على أخطائه، أحيانا أفعل لأعريه، وأحيانا أكتب لأرى نفسي، القصيدة هي التي تختار من تخاطب.

• هل حقاً ما زال الشعر حياً ونحن في هذا العصر المجنون، ماذا تبقى للشعر اليوم في حضرة السيد (الكترون)!؟
ـ نعم الشعر ما زال حيا، ربما تساقطت المنابر، وربما لم يعد للشعر وظيفته القديمة نفسها..
كان الشاعر يدون في قصيدته أخبار العالم المحيط، واليوم انقلبت الآية وأصبح الشاعر يدون للعالم المحيط الذي لم يغفل شيئا الا وأرشفه ودونه أخباره هو، أخبار فرد في هذا العالم
كنا نقرأ الشعر فندرك حروب الخارج.. اليوم نقرأه فنتعرف إلى حروب الداخل الانساني
الاعلام الآن يدون كل شيء.. إذن يدون الشاعر ما ليس في وسع الاعلام .. يدون لحظته هو، لحظة قلق روحه في صراعها الوجودي.


•  لم ولمن تكتبين وما الكتابة برأيك، وهل تقدمك جيداً؟

ـ أكتبُ الشعرَ لأن لي منزلاً يهبُ؛ أكتبه لأقتل حياتي..الصورُ هي شهادات تواطئي ضدَّ نفسي. الصفحةُ مفتوحةٌ ومرآتي تُموِّجُ وجهي، أقتلُني.. وأولدُ، ولأن للمعرفة حيواتٌ، تصحو معي في كل ليلة ملكاتٌ قديماتٌ يحدثنني بأصوات رهيفة وكلهن ماءُ ينسابُ في فراغ وحين يختفين أُغمضُ عينيّ..وأنام.
أكتبُ الزمن وأعبرُ.. أكتبُ نرجس الإغفاءة لأستفيقَ كانت هذه المقاطع نهاية ديواني - قصيدتي الطويلة هنا تعيش لينا الطيبي والتي ضمنتها سيرتي الانسانية.
ليس لدي جواب قاطع عن "لماذا أكتب" في كل مرة أكتب لأسباب مختلفة.. أحيانا كما قلت لك أكتب كي أعاقب الآخرين.. أحيانا أكتب كي أشعر بنفسي.. أحيانا أكتب لأن دافعا خفيا يدفعني دفعا لأكتب.
ما من سبب واحد أستطيع أن أمنحه حجة لكل أوقات الكتابة، الكتابة بالنسبة لي هي ما أستطيعه لأواجه به العالم.. ليس من أداة أخرى أمتلكها.. هي ليست أداة فقط، فالأداة وسيلة.. الكتابة أيضا غاية وهدف.. وهي في المحصلة ما أستطيع أن أقول من خلاله نفسي.. وسيلتي لاعلان وجودي، أعتقد أن كتابتي تقدمني بشكل جيد.. يكفي أنني عندما أقرأني أستعيدني.


• ما مواصفات القصيدة الناجحة اليوم؟

ـ نجاح القصيدة نفسه ينتمي لفئات مختلفة، وينتمي أيضاً لما يريد الشاعر منها
هناك شاعر يسعى إلى نجاح جماهيري..بالنسبة له قد تكون قصيدته ناجحة تماماً، وهناك آخر يهدف إلى المصادرة...وبالتالي لو صودرت ستصبح في مقاييسه ناجحة
بالنسبة لي القصيدة الناجحة هي التي ترضي غرور الشاعرة بي.. ويُلتفت اليها في الوقت نفسه.
لا أعول كثيراً على ما يريده النقد..ففي المحصلة قد لا تتوافق رغباتي معه دائما... لست مضطرة مثلاً إلى اللجوء لتعرية الجسد لمجرد أن يقال أن قصيدتها كسرت التابو
القصيدة الناجحة هي التي يعي شاعرها تماما أنها ناجحة.. حتى وهو يتردد أمامها.

 
© 2009 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الوارف للدراسات الإنسانية
الكتابات المنشورة على موقع الوارف خاصة بالمعهد، في حال الاقتباس أو النقل عن الموقع يرجى ذكر المصدر المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة توجّه المعهد، في حين تمثل وجهة نظر كاتبيها