الرئيسية حوار الوارف الإصلاح السياسي والديني في فكر جورج طرابيشي

دراسات ميدانية





الإصلاح السياسي والديني في فكر جورج طرابيشي PDF طباعة البريد الإلكترونى
الأربعاء, 03 يونيو/حزيران 2009 19:06

شخصية الشهر: المفكّر جورج طرابيشي

 

 إنه لمن دواعي فخر معهد الوارف للدراسات الإنسانية أن يختار فريق مستشاريه المفكّر جورج طرابيشي ليكون شخصية شهر حزيران/يونيو للمعهد، وذلك تقديرا واعترافا بإنجازه الفكري والنقدي المشهود لعصره ومعاصريه.

 

كتب حسان جمالي ـ عضو مجلس الوارف الاستشاري

 

أثناء دراستي الثانوية ، كانت قدرات أبناء جيلي حينذاك على القراءة بلغة أجنبية عائقاً أمام مطالعة الكتب الأجنبية في لغاتها الأصلية. لذلك كانت الكتب المترجمة للعربية حلقة الوصل بيننا وبين التيارات الفكرية الأوروبية.
ولكن الترجمات الجيدة والأمينة كانت الإستثناء، لا القاعدة، وكان من الشائع أن يحذف المترجم عبارات، بل فصولاً كاملة يمكن أن تجرح حساسيات مجتمعنا المفرطة في قضايا الجنس والدين وتاريخ العرب والمسلمين.
وكان بين المترجمين المتميزين جورج طرابيشي، الذي تعرفت عن طريقه على كبار المفكرين
 والفلاسفة الأوروبيين أمثال هيغل وسارتر وفرويد وماركس وغيرهم. ومنذ ذلك الحين وأنا لا أتردد لحظة واحدة في وضع يدي على أي كتاب أو مقال لجورج طرابيشي، بعد أن خلع عباءة المترجم، ليضع عدداً من الدراسات و الأبحاث في مجال الفكر والفلسفة والنقد الأدبي، ليصبح من أهم المفكرين العرب المعاصرين، عقلانيين وغير عقلانيين ، بل يتميز عنهم بقوة الطرح وجرأته والبعد عن الإستسهال والإختزال المألوفين في كتابات الذين يخاطبون القراء العرب.
ينتمي جورج طرابيشي – حسب تعبيره- الى جيل وقع ضحية خدعة نظرية ماكرة، و ذلك بالإقتناع أن الغرب، صانع الحداثة، يعاني من تناقض عضال: قاعدة مادية متقدمة وبيئة فوقية سياسية متخلفة هي الديمقراطية الموصوفة بأنها « شكلية » و« طبقية » و« برجوازية ». لذلك لم يشأ ذلك الجيل أن يقلد الغرب ويعتمد الديمقراطية « البرجوازية » كأساس لدولة المستقبل وإنّما فضّل طريق الثورة والديمقراطية الشعبية واﻹشتراكية الماركسية التي تضمن حل ذلك التناقض. وكان لا بد من تذوق مرارة فشل جميع تجارب الديمقراطية « الشعبية » في العالم الثالث ومعاناة واقع الديكتاتوريات التي تمخضت عنها المشاريع والأحلام الثورية، ثم صدمة سقوط التجارب الإشتراكية  الدائرة في الفلك السوفياتي وما أثارت من تساؤلات حول الماركسية نفسها، حتى بدأ المفكرون الجديون ومنهم طرابيشي في التحرر من خدعة التناقض بين البنيتين الفوقية والتحتية  في النظام الغربي وإعادة الإعتبار للديمقراطية على أنها النظام السياسي الأرقى والأكثر عقلانية بين سائر الأنظمة التي اخترعتها البشرية في مسارها التاريخي الطويل.
وطرابيشي، حسب تعبيره أيضاً، هو إبن جيل عاش في 50 سنة ما قد تعيشه الأجيال الأخرى في 100 أو 200 سنة، شهد فيها صعود وسقوط النازية والشيوعية وثورات التمرد الطلابية، والتحولات التي طرأت على الفكر الأوروبي، بدءاً بالوجودية ومروراً بمدرسة فرانكفورت وانتهاءً بالبنيوية  ومدرسة ما بعد الحداثة. هذا بينما شهد العالم ، في الوقت نفسه، تطورات خطيرة بدءاً من نهاية الحرب العالمية الثانية ونشوب الحرب الباردة وانتهاءً بحركات التحرر الوطني و« العالم ثالثية » وسقوط المعسكر اﻹشتراكي ومن ثم العولمة. وعرفت مسيرة طرابيشي الفكرية و السياسية محطات البعث والوجودية و الماركسية و الليبرالية النقدية. ولم يتردد وهو إبن مجتمع « ما الحبّ الا للحبيب الأول » في اﻹنتقال من مذهب الى آخر تطبيقاً لمبدأ النقد والنقد الذاتي، الضامن الأول ﻹستمرارية الهوية من خلال التغير والتلاؤم مع الواقع المتغير.
في مشروع طرابيشي الفكري المستمر منذ أكثر من ربع قرن، احتلّت العقلانية مركز الصدارة وكان لا بد اذاً من طرح إشكاليات الديمقراطية والعلمانية المرتبطة بها.
في ندوة حول الديمقراطية عقدت في المغرب، حضرها نخبة من الباحثين و الأساتذة الجامعيين، دار كلام كثير وغير مشروط عن الديمقراطية بوصفها مفتاح جميع الأقفال. وقد أثار هذا الطرح اللانقدي طرابيشي فطرح عن عمد السؤال التالي:
«إن الديمقراطية تتضمن لا محالة حرية الرأي وحرية التعبير، فهل نحن كنخبة مثقفة على إستعداد لتقبل لوثر مسلم أو فولتير عربي؟ وحتى نتمثل باسم أحدث عهداً: هل نحن على استعداد لتحمل سلمان رشدي آخر في صفوفنا؟»
في البداية ران صمت قبل أن يرتفع من القاعة صوت: أعوذ بالله!! ثم كرّت سبحة المتعوذين.
لذلك جاء كتاب طرابيشي «هرطقات  عن الديمقراطية و العلمانية و الحداثة و الممانعة العربية» ليشرح بوضوح، لمن يريد أن يفهم، أن الديمقراطية لا تختزل الى محض آلية انتخابية وليست مفتاحاً سحرياً لجميع الأبواب المقفلة، بل هي نفسها بحاجة الى مفتاح، ولعل بابها لا ينفتح الا بعد أن تكون سائر الأبواب الأخرى قد فتحت أو بالتزامن معها على الأقل. وينهي طرابيشي الفصل الأول من الكتاب بهذه العبارة التي تختصر أزمة الديمقراطية وصعوبة تحقيقها، لا على المستوى الشعبي فحسب ، وإنما على مستوى المثقفين : «ولنملك الجرأة على أن نعترف:  لئن تكن الأنظمة العربية تقيم العثرات أمام الآلية الديقراطية، فان المجتمعات العربية الراهنة تقيم العثرات أمام الثقافة الديمقراطية. فالأنظمة العربية لا تتحمل انتخاباً حراً، ولكن المجتمعات العربية لا تتحمل رأياً حراً. ومجتمع يريد الديقراطية في السياسة، ولا يريدها في الفكر، ولا على الأخص في الدين، ولا بطبيعة الحال في العلاقات الجنسية، هو مجتمع يستسهل الديقراطية ويختزلها في آن معاً، ومن الإستسهال - كما في الإختزال- ما قتل! ».
 يؤكد طرابيشي اذاً على الربط العضوي بين الديمقراطية والعلمانية في زمن تعرضت فيه العلمانية الى حملة شرسة من الأصوليين والإسلاميين. و بينما تهرّب بعض المثقفين العلمانيين من مواجهة أعدائها تارة بحجة كونها مستوردة من الغرب أو لأنها ناتجة عن صراع بين الدولة والكنيسة ولا علاقة لإسلام لا كنيسة فيه بها،  يؤكد طرابيشي أن لا ديقراطية بلا علمانية، لأنه في ظل العلمانية فحسب يمكن للمرء أن ينعتق من عقليته الطائفية كي يفكر و ينتخب على أساس عقله.
ويؤكد في كتابه «هرطقات 2 العلمانية كإشكالية إسلامية – إسلامية» أن العلمانية أشد الحاحاً في الدول العربية منها في غيرها :
«بديهي أننا لا نماري في أن العلمانية في وجه من وجوهها يمكن أن تمثل مطلباً للأقليات بقدر ما يمكن أن تقدم لها ضمانة للمساواة التامة أمام القانون. ولكن ما نماري فيه بالمقابل هو أن تكون الأقليات المعنية في الدائرة العربية الإسلامية هي الأقليات المسيحية قصراً. ذلك أن العلمانية فلسفة وآلية لتسوية العلاقات لا بين الأديان المختلفة فحسب، بل كذلك بين الطوائف المختلفة في الدين الواحد. والحال أن التعددية في الدائرة العربية الإسلامية ليست محض تعددية دينية واثنية، بل هي أيضاً تعددية طائفية. فالإسلام العربي ،بواقعه الديمغرافي الحالي، يتألف من غالبية سنية بكل تأكيد، ولكن أيضا من أقليات شيعية ونصيرية وزيدية وإسماعيلية ودرزية واباضية. ومن منظور هذه التعددية الطائفية الإسلامية فإن قضية العلمانية في العالم العربي ليست فقط قضية مسيحية- إسلامية، بل هي ايضاً وربما أساساً قضية إسلامية- إسلامية.
فلئن قامت العلمانية في الغرب على أساس التحييد الديني للدولة فإن العلمانية في المجال العربي الإسلامي لا بد ان تقوم أيضاً على التحييد الطائفي للدين نفسه. وذلك ما دام الدين، وهنا الإسلام، يتوزع لا الى طوائف متبانية فحسب، بل أيضاً وأساساً متعادية متكارهة يقوم كيانها على  الضدية المتبادلة وتعتمد في التعامل فيما  بينهما معجم التكفير والتنجيس.. والإسلام هو أحوج الأديان اليوم الى  الفصل فيه بين الزمني والروحي. فأصل الانقسام الطائفي في الإسلام سياسي وليس دينياً. وقد كان مداره- ولا يزال- على مسألتي الخلافة والإمامة. ولئن كان الإسلام المسيس والمؤدلج يشن حرباً شعواء على العلمانية فما ذلك  فقط لأنه يرفض مبدأها الذي يقوم على فصل الدين عن الدولة، بل كذلك لأن العلمانية بما يترتب عليها من  فصل بين الروحي والزمني حتى على الصعيد الديني المحض،  من شأنها ان تساعد الإسلام على فك نفسه من أسر التسييس والأدلجة وعلى إسترداد وضعيته الطبيعية كوجدان جمعي شبه فطري».
لا بد في العالم العربي– حسب تعبير طرابيشي -  من ثورة في العقليات. ففي صندوق الرأس يمكن أن نشق الطريق الى الحداثة بركيزيتها: الديمقراطية والعقلانية. وهذا المسار قد يستغرق عشرات السنين في حال النجاح، وربما مئاتها في حال الفشل. ولكنه مسار لا مناص منه، وقد بات يفرض نفسه بمزيد من الالحاح في زمن الإرتداد العربي والإسلامي هذا الى قرون وسطى جديدة.
ولكن هناك عقبة رئيسية في طريق الإصلاح السياسي، وهي كون الإسلام بقي جامداً منذ أكثر من ثمانية قرون؛ والإصلاح الديني في الإسلام، على غرارالإصلاح الديني في أوروبا، هو شرط من شروط التوصل الى الحداثة و تقبّل العقلانية بشقيها الديقراطي و العلماني. لذلك جاء كتاب
 « المعجزة أو سبات العقل في الإسلام » ليشكّل في اعتقادي محاولة جدية لإصلاح الفكر الإسلامي وذلك بالبدء في تحرير الإسلام من تراكمات لاعقلانية و معجزات شلّت عقول المسلمين ودفعت بعض أصحاب الشهادات العلمية الرفيعة على البحث في النص القرآني عن ما يثبت صحة النظريات العلمية الحديثة كونها من إعجاز القرآن.
وهذه اللبنة الأساسية في جدار الإصلاح الديني في الإسلام قام بها مسيحي عربي يعتبر ، رغم «هرطقته»،   الإسلام من مكوِّنات بنيته  التحتية الثقافية التي لا هجرة له عنها حتى وهو يقيم  اليوم في دار الهجرة ،أي فرنسا.
------------------------------------------------

كتب للمفكّر جورج طرابيشي لها علاقة بالبحث :

- مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة ، دار الساقي 1993
- وحدة العقل العربي اﻹسلامي: نقد نقد العقل العربي «3» ، دار الساقي 2002
- إزدواجية العقل ، دراسة تحليلية نفسية لكتابات حسن حنفي ، دار بترا 2005
- علم نفس الجماهير تأليف سيغموند فرويد،  ترجمة و تعليق جورج طرابيشي، دار الطليعة 2006
- هرطقات: عن الديمقراطية و العلمانية و الحداثة و الممانعة العربية ، دار الساقي 2008
- هرطقات 2: عن العلمانية كإشكالية إسلامية إسلامية ، دار الساقي 2008
 

 

 
© 2009 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الوارف للدراسات الإنسانية
الكتابات المنشورة على موقع الوارف خاصة بالمعهد، في حال الاقتباس أو النقل عن الموقع يرجى ذكر المصدر المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة توجّه المعهد، في حين تمثل وجهة نظر كاتبيها