الرئيسية وارف الإثنيّات النسيج اليهودي في ثوب ثقافة المغرب

دراسات ميدانية





النسيج اليهودي في ثوب ثقافة المغرب PDF طباعة البريد الإلكترونى
،حوار أجراه الصحافيان مصطفى عنترة وخالد حركات مع الأستاذ محمد الحداوي، الباحث في تاريخ المغرب و فرنسا خلال القرن العشرين
والمؤسس لموسوعة تاريخ المقاومة وجيش التحرير و الحركة الوطنية
خاص وارف الأقليات

5 أسئلة موجهة إلى محمد الحداوي
 س ـ هل يمكن إدماج الثقافة اليهودية في المقررات الدراسية ؟
ج:لا يقتصر الامر على الثقافة اليهودية وحدها، لا بد من الانفتاح على كل الثقافات.
 أما فيما يخص الثقافة اليهودية، فالديانة اليهودية هي أصل التوحيد، ذلك الفضاء روحي الذي يجمع اليهودية و المسيحية والاسلام. والمؤرخون المسلمون الأوائل الذين يرجع اليهم الفضل في تأسيس التأليف التاريخي العربي الاسلامي، و أقصد الطبري و اليعقوبي و ابن الأثير و ابن كثير و ابن حجر العسقلاني و من سار على نهجهم كعبدالرحمان ابن خلدون، اهتموا بتكوين شعب اسرائيل و تطور ديانته و تعاقب أنبيائه و تركاتهم، و قد خلفوا في هذا الشأن فصولا جديرة بالاهتمام. لقد استند هذا الاعتناء الاسلامي المبكر و المفصل باليهود و اليهودية و تاريخها على الاستشهاد القرأني بتاريخ بني اسرائيل و أنبيائهم، الذين هم حسب صريح القرأن أنبياء الله ينبغي أن يؤمن بهم المسلمون، و استند هذا الاهتمام أيضا على وحدة القصص التوراتي و القصص القرأني و شيوع الكثير من الطقوس التوراتية بين المسلمين كعيد الأضحى و الختان و غير ذلك. و هناك مدرسة للمؤرخين في المشرق العربي تعتبر ان بنو واسرائيل عم العرب البائدة، و احيل على اجتهادت اللبناني كمال الصليبي والفلسطيني زياد منى.
و قد ساهم اليهود من جانبهم في اغناء الحضارة العربية الاسلامية باجتهداتهم في قراءة التوراة و علم الكلام اليهودي، و ليس الاندلسي ابن ميمون وحده هو المثال البارز في صفوف الاعلام اليهود الذين أغنوا الحضارة العربية الاسلامية بالتأليف  فالرابي عمران الفاسي الذي ترعرع بدوره في مجال حضاري عربي اسلامي يعتبر مدرسة رائدة في اللاهوت وعلم الكلام اليهودي و يعتبر سلطة مرجعية لدى الكهنوت اليهودي و لدى دارسي التوراة و علم الكلام اليهودي.
و قد ظل اليهود مكونا اجتماعيا و اقتصاديا لكيان اسمه المغرب، و قد برعوا في التجارة و الحرف و من خلال الأحياء الخاصة بهم و هي الملاحات، يعتبرون جزءا لا يتجزء من تاريخ المدينة المغربية، و كل اهتمام بثقافتهم و ديانتهم و تاريخهم الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي و ما الى ذلك ضمن مقرراتنا المدرسية هو بمثابة اقتحام لمجال رئيسي من التاريخ المغربي و ادراج لمكون من الثرات و التاريخ الوطنيين للمغرب، و ينبغي أن يحصل ذلك بعيدا عن الحسابات الكلامية أو الاتنية، فالمقاربة التأريخية أو السوسيولوجية أو الأنتربولوجية المستندة الى التطورات العلمية الحاصلة في مجال العلوم الاجتماعية أو الدقيقة هي التي ينبغي أن تسود في برامجنا التعليمية و في مقاربتنا للاسلام و اليهودية و المسيحية و كل ظاهرة تاريخية أو اجتماعية او ثقافية و غيرها. و لا بد لنا- و اشدد كثيرا على هذا- من ايلاء المسيحية الأوربية- و أكرر الاوربية- مكانة في برامجنا التعليمية لأن تطور هذه الديانة الذي انتهى الى تصالح الدين مع الدولة الدنيوية و منهجيتها المتمثلة في الديمقراطية و الاقتراع العام  و بالتالي قبول رجال الدين بحصر دورهم في العبادات و تكريس الدولة لخدمة الناس و تخليهم المطلق عن هذا الدور هذا الدور لرجال و خدام الدولة جدير بالتأمل.
في هذا الباب أتمني لو يتفضل المسؤولون عن حيانتا الوطنية بتعديل اسم وزارة الأوقاف و الشؤون الاسلامية و ذلك باضافة و "العبادات و الحوار بين الديانات"، و ان تخصص لليهودية و المسيحية في المغرب نسبة من عائدات الأوقاف.  
س ــ ما هي الأسباب التي جعلت الثقافة اليهودية تظل علـى الهامش؟
ج:ينبغي الحذر في مقاربة هذه الظاهرة فالتعاطي مع الشأن الثقافي و الهوية الثقافية المغربية ما يزال مسكونا بالانفعالات و متأثرا بالأمزجة لا عتبارات كثيرة في مقدمتها أن الثقافة المغربية ما تزال غير ملقحة ضد مختلف أشكال التطرف و العنصرية، كما أنها ظلت وفية للنهج القديم و لم تنل حظها من التطور الذي عرفته التثقافة العالمية الا في العقود الأربعة الأخيرة. هناك مخاض للتدرج من الثقافة العالمة بمفهومها المتقادم الى الثقافة القومية ببعدها السياسي و الثقافة الأكاديمية ببعدها الكوني، و ضعف الاهتمام بالجانب اليهودي يوازيه ضعف الاهتمام بجوانب أخرى من الثقافة المغربية لأسباب موضوعية بالأساس. لكن و بالرغم من ذلك فالثقافة المغربية أكثر هي نضجا و رشدا من السياسة المغربية، و المثقف أكثر رشدا من السياسي و الميدان هو الحكم في هذا الرأي، و ادعو الى مقارنة مفكر من حجم عبدالله العروي مع اي سياسي مغربي، و ان تشمل المقارنة الفكر والسياسة و تدبير الدولة و سترون النتيجة . و اذا كان من اقصاء فالعامل السياسي هو المتحكم فيه. أضف الى هذا حقيقة تاريخية ارتبطت بالتطورات السياسية خلال النصف الاول من القرن العشرين، و هي أن الهجرة الجماعية المتوالية لليهود المغاربة منذ انشاء دولة اسرائيل حرم المهتمين من ذاكرة هذه الجماعات و مستنداتها، التي كانت ماتزال الى عهد قريب مجالا بكرا، و هناك عامل الانغلاق التقليدي  على الذات و الارتياب الجماعي من الأخر الذي يطبع الجماعات المغربية سواء مسلمين أو يهودا حضريين أو قرويين و الذي هو ليس بالضرورة ظاهرة  مغربية، بل هو ظاهرة كونية.
س ـ في رأيكم هل يرجع أيضا هذا الأمر إلى طبيعة ثقافة اليهود المغاربة؟
ج: لقد أشرت الى العوامل الخاصة بالجماعات و منها الجماعة اليهودية و ثقافتها  اليهودية المسكونة بدورها بمجموعة من الأسرار و الألغاز. و قد زاد من هذا الانكماش قي الثقافة اليهودية المغربية خلال القرون الأخيرة هيمنة الطابع الأندلسي على ثقافة المدينة المغربية و على الحياة الاجتماعية في المدن، و أو شك هذا الطابع أن ينحصر في الطقوس و الحفلات. لكن للثقافة اليهودية و لليهود المغاربة النصيب الأوفر من ضعف الاهتمام بالجانب اليهودي و العمق اليهودي في الثقافة المغربية، لأن اليهود لم يكونوا يفكرون في اشاعة ثقافتهم خارج جماعاتهم تجنبا للصدام و احتياطا من الأخر.
س ـ لماذا فشلت الأحزاب السياسية وخاصة المحسوبة على الصف الديمقراطي في إدماج اليهود داخل تنظيماتها؟
ج: زيادة على الاطر الاقتصادية اليهودية و المثقفون اليهود، ظهرت بعض الفعاليات اليهودية كأطر رائدة لتجربة اليسار. فالحزب الشيوعي بالمغرب كان على رأسه اليهودي ليون سلطان قبل أن تؤول القيادة فيما بعد لعلي يعتة، و كذلك الشأن بالنسبة لأبراهام السرفاتي و سيون أسيدون و شمعون ليفي الذين لهم نصيبهم في تأسيس و قيادة و تأطير تجارب اليسار بالمغرب. لكن هذه الأمثلة لا تعني أن تطبيع وجود شخص يهودي على رأس حزب سياسي  أصبح أمرا مقبولا، فمنذ عقدين أثار انتخاب جو أوحنا عضوا في مكتب مجلس النواب ضمن نواب رئيس هذه الهيئة الدستورية جدلا و اعتراضا لدي قيادات أحزاب المعارضة البرلمانية التي اعتبرت نفسها الممثل الوحيد للخيار الديمقراطي في المغرب، و قد كتب أحمد رضا كديرة مستشار الملك الراحل الحسن الثاني افتتاحية بيومية لو ماتان مغلفة لاستنكار هذا الموقف الذي اتخدته تلك الأحزاب،  و لا اعتقده يتدخل بهذه الطريقة ذون ايعاز من الملك الراحل. و قناعتي أن أغلب الأحزاب المغربية المحسوبة على الصف الديمقراطي لا تختلف في الغالب عن الأصولية في موقفها من اليهود. و قد زاد من تعميق هذا الارتياب مشكل الشرق الأوسط الذي ترعرعت بموازاة تطوراته جل الأحزاب السياسية المغربية، هذا زيادة على احتياط أغلب اليهود من الحركة الوطنية المغربية لا عتبارت تاريخية دقيقة.
س ـ ما هي عوامل نجاح اليهود المغاربة في المجال الاقتصادي والتجاري والمالي وفشلهم في فرض وجودهم في المجال السياسي؟
ج:في هذا المجال هناك وزن التاريخ، فاليهود لم يكونوا يشاركون في الحروب باعتبارهم من أهل الذمة، و لذلك ظلوا بعيدا عن الوظائف السياسية لأن ذلك شأن المسلمين في دولة الاسلام. هذه هي القاعدة السياسية و كان اليهود قابلون بهذا لذلك توجهوا الى التجارة و الحرف بسبب استقرارهم في المدن، أي وجودهم في قلب السوق و قد ظلت ترسبات هذا الموقف حاضرة في الضمير اليهودي المغربي و هو ما سهل الاقتناع بالهجرة الى اسرائيل قبيل و في فجر الاستقلال. لكن لا يمكن نعث اليهود المغاربة بالفشل السياسي، فلهم رصيدهم من تشكيل اليسار الذي كان دافعا قويا للتغيير السياسي في المغرب و أدت عناصر بارزة منهم ضريبة النضال، زيادة على أن مساهمتهم في اغناء الحياة الثقافية المغربية لا يمكن التقليل منها
 

 

 
© 2009 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الوارف للدراسات الإنسانية
الكتابات المنشورة على موقع الوارف خاصة بالمعهد، في حال الاقتباس أو النقل عن الموقع يرجى ذكر المصدر المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة توجّه المعهد، في حين تمثل وجهة نظر كاتبيها