دراسات ميدانية





ورقة اقتراع PDF طباعة البريد الإلكترونى
الأربعاء, 07 أبريل/نيسان 2010 16:24
كتب صالح مجيد*
خاص وارف الرأي

في تقرير تلفزيوني لقناة "فوكس" الأميركية عشية يوم الانتخابات العراقية، لفت انتباهي حديث أحد المواطنين العراقيين ردا على سؤال حول نيّة المشاركة في الانتخاب: "إذا قال لنا (رجل الدين) اذهبوا وانتخبوا ، ننتخب"!

وبحِرَفيّة صحافية عالية، اكتفى التقرير بالتقاط هذه الجملة من حديث المواطن لتكون ضمن الرسائل التي بثها كي يقيّم المُشاهد الوعي الانتخابي لشعب مارس حق التصويت الديمقراطي خمس مرات:
الأولى: انتخابات أعضاء مجلس النواب المؤقت يوم 30 كانون الثاني / يناير 2005.
الثانية: اقتراع الشعب العراقي حول مشروع الدستور يوم 15 تشرين الأول / أكتوبر 2005.
الثالثة: الانتخابات الأولى لأعضاء مجلس النواب العراقي الدائم جرت يوم 15 كانون الأول / ديسمبر 2005.
الرابعة: انتخابات مجالس المحافظات العراقية يوم 31 كانون الثاني / يناير 2009.
الخامسة: الانتخابات الثانية لأعضاء مجلس النواب العراقي يوم 7 آذار / مارس 2010.

إجابة المواطن في التقرير دفعتني للتساؤل: كيف يمكن أن ينجح الإنسان في ممارسة الاختيار إذا كان قرار الاختيار بيد غيره ؟
بعد أن صحت أوربا من الحرب العالمية الثانية على 60 مليون قتيل وجريح ومفقود ، عصفت انتقادات المفكرين والفلاسفة بالكنيسة واتهمت الفكر المسيحي بكبت الشعوب جنسياً خلال القرون التي سبقت الحربين العالميتين ما دفعها للتعبير عن أنفسها بالقتل والخراب. وشهدت دول أوربا المنكوبة حملات إعلامية "هستيرية" معاكسة للمنظومة الدينية ، فأسقطت شعارات التديّن ، ودعت إلى مشاعة العلاقات الجنسية ، وأطلقت أفلام العري في دور السينما ومشاهد الإغراء في المسارح. وما يشهده السائح من التعري الجزئي أو الكامل في الشواطئ الفرنسية والمسابح الألمانية ما هو إلا إرث لتلك التوجهات الفكرية المختلفة والحملات الدعائية التي أعقبت الحرب. فالنساء والرجال على السواء في فرنسا ينظرون بغرابة إلى المرأة التي تلبس "صدرية المايوه" في "البلاج" الفرنسي ، في حين تتخصص بعض المسابح الألمانية بالمرتادين الذين يتعرّون بالكامل ولا تسمح للمتسربلين بالمشاركة!
وعودا إلى الانتخابات العراقية ، دعا زعيم ، قبيل الانتخابات ، قوميّ "قوميته" للتصويت حفاظا على مكتسباتهم التي تحققت في الانتخابات السابقة ، ووجدت هذه الدعوة صداها لدى العديد من الذين يغلِّبون "القومية" على "الوطنية". 
ومهما يكن من أمر، فإن تبنّي المفهوم الديمقراطي يعني تجاوز القومية إلى حالة اجتماعية أسمى ، وإلى فرض الإنسان قيمة عالية من خلال أدائه الحضاري ، لا لغته أو ماضي أجداده. ويكاد العراق أن يكون أولى الدول في تعاطي المساواة بين الأعراق والمذاهب، من حيث اتخاذ القرار في الأقل، لولا أن أحداث العنف غلبت على تحولاته التنويرية.
فقبل أن يسجل التاريخ الأميركي بصمته المضيئة بانتخاب باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة ، إيمانا بطاقته القيادية وبسقوط اللون أمام الحِسّ ، سجل العراق سابقته التاريخية عندما انتخب الكردي جلال طالباني رئيسا لدولة "عربية" إيمانا بسقوط العِرق أمام العدالة .. أوباما الذي اصطاد البيض أسلافه في غابات أفريقيا وحشروهم شهورا في سراديب السفن التي تتاجر بالرقيق حتى وصلت بهم إلى الشواطئ الأميركية لتبيعهم هناك ، وطالباني الذي قضى سنين طويلة حاملا سلاحه ، وهاربا من جبل إلى جبل بعيدا عن بطش حكومات بغداد الوحشية التي كانت تطلق عليه وعلى رفاقه تسمية "العصاة" أو "الخارجين على القانون".
وبعبارة توضيحية ، لا يمكن أن يكون التعصب القومي جسرا إلى تحقيق الديمقراطية ، بل على العكس تماما ينبغي أن تكون المساواة بين البشر ، هي الطريق الذي يقود إلى الاعتزاز والفخر بالهوية القومية. 
ويبدو أن النزوع الديني - القومي ، بعد تشكيل الحكومة الجديدة ، سيخيم على الأحزاب السياسية لأنها تعتمد بغالبيتها على قيادة رجال الدين والزعماء القوميين خصوصا في حال استمرار غياب قانون الأحزاب الذي من شأنه أن يفرض مشترطات العمل السياسي على التنظيم الحزبي بما في ذلك تحديد نظامه الداخلي ، وإقصاء الأفكار المتناقضة مع النظام السياسي الجديد من بنوده ، والكشف عن تمويله ، وخلفيات أعضائه ، ومقره الرئيس ومكاتبه الفرعية. يفرض هذا القانون على التكتلات السياسية أن تتمتع بمصداقية وشفافية عاليتين ، وربما يقودها إلى خيارات سياسية أكثر حداثة كالانتخابات الداخلية التي تكفل التنافس الحقيقي بين أعضاء الحزب الواحد ، وترشيح الفئات التكنوقراط بين أعضائه، وبالتالي سقوط شخصياته الدينية والقومية الوحيدة.
*صالح مجيد – كاتب من العراق
واشنطن

 
© 2009 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الوارف للدراسات الإنسانية
الكتابات المنشورة على موقع الوارف خاصة بالمعهد، في حال الاقتباس أو النقل عن الموقع يرجى ذكر المصدر المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة توجّه المعهد، في حين تمثل وجهة نظر كاتبيها