دراسات ميدانية





نهر الدولة PDF طباعة البريد الإلكترونى


كتب حواس محمود

خاص من وارف سوريا ـ مقالات الرأي
لم تعد الثورات العنفية تحظى بتلك الشعبية الجماهيرية كما كانت قبل أكثر من عقدين ونيف من اليوم. فثورة الاتصالات والتفجر المعرفي الكبير وتقارب المسافات الجغرافية بقوة التكنولوجيا والعولمة كل هذه العوامل والتقنيات ساهمت إلى حد بعيد في تغيير منظومة التفكير حتى لدى أبناء العالم الذي كان يسمى بالثالث


هذا التمهيد يأتي في أعقاب حدث مهم جرى ويجري وله امتدادات مستقبلية لا أحد يتكهن بأبعادها وحيثياتها ونتائجها سواء السلبية أم الايجابية على منطقة الشرق الأوسط والعالم ، وهذا الحدث هو الحدث الإيراني الذي بات يتحول إلى حالة من الصراع الشديد على السلطة بين طرفين بدأا يتباعدان عن بعضهما بعد أن كانت خيمة الثورة تجمعهما تحت سقف واحد ، لكن القمع الممارس بحق الشعب الإيراني والإحجام عن عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية وغياب الحريات العامة وتغييبها إضافة إلى سوء إدارة التعامل مع القوى الدولية والإقليمية كل هذه العوامل ساهمت في تكوين لبنة قوية ذات طابع إصلاحي تميل إلى التغيير جماهيريا وتنشد الإصلاح في مستوى قيادتها ( مير حسين موسوي والخاتمي وكروبي ) ويضاف إليهم بشكل غير  مباشر هاشمي رفسنجاني.
إذن نحن أمام حدث تتوالى حلقاته الدرامية حاليا وينبئ بتغييرات كبيرة في المستقبل القريب أو المتوسط هذا الحدث يتخذ طابع التأسيس للدولة العصرية التي يتاح فيها للمواطن أن يمارس قدرا كبيرا من الحريات الأساسية من التظاهر السلمي والاعتصام وحرية الصحافة وحرية الأحزاب واستقلالية القضاء وفصل السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية ، هذا ما يمكن أن نستشفه من مطاليب الحركة الإصلاحية الإيرانية، ولا ننسى الانتخابات النزيهة التي جاء الاحتجاج والحدث الإيراني برمته أساسا بسبب  تزويرها  لصالح محمود أحمدي نجاد كما يقوله الإصلاحيون
فالثورة الإيرانية هي بنت السبعينات من القرن الماضي وكل ثورة إن لم تتحول تدريجيا إلى بناء دولتي ( من الدولة ) فإنها معرضة لأن تقوم الجماهير بالمطالبة إياها ولو أدى ذلك إلى مزيد من الدماء والمشاكل الداخلية ذات الطابع الأمني والعنفي.
لأن سيرورة الحياة السياسية تتطلب ذلك وكل مرحلة تاريخية لها متطلباتها ولها سماتها وملامحها الأساسية ولكل شعب خصائصه ومميزاته التي تجعله يفترق ببعض هذه السمات والخصائص عن الشعوب الأخرى ، فالشعب الإيراني  وإن كان قد رضخ للحكم التيوقراطي ( الديني) ولولاية الفقيه لمدة ثلاثين عاما  ولكنه يحمل في بنيته الأساسيه روح الحضارة الفارسية التي تأبى أن تنام تحت سياط ولاية  الفقيه التي ترفضها حقائق العصر ومنطق الدين الحنيف كما وحركة التاريخ الجارية دوما إلى الأمام.
فعجلة التاريخ لن تعود للوراء وعصر الثورة العنفية قد انتهى وبدأ عصر الثورات المخملية كما سماها المحافظون تخوفا من حركة الإصلاحيين الإيرانيين ونهر الدولة حفر مجراه وبقوة في صحراء الثورة التي كانت ربيعا في السبعينا ت لكن دورة الزمن وما رافقتها من تحولات تاريخية حولتها إلى صحراء قاحلة تحتاج لنهر الدولة الجارف لكي تتحول هذه الصحراء الى ربيع الدولة العصرية الأخضر ، ولعل الإصلاحيين  لم يكونوا على خطأ عندما اتخذوا من الشارة الخضراء رمزا لهم وكأني بهم يقولون  إنه يرمز إلى العشب الذي سينبت من مياه النهر الذي سيحفرطريقه  في أرض صحراء لم تعد تنبت  الأخضر من زمان

 
© 2009 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الوارف للدراسات الإنسانية
الكتابات المنشورة على موقع الوارف خاصة بالمعهد، في حال الاقتباس أو النقل عن الموقع يرجى ذكر المصدر المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة توجّه المعهد، في حين تمثل وجهة نظر كاتبيها