الرئيسية مقالات الرأي الإرهاب والجلطة الدماغية

دراسات ميدانية





الإرهاب والجلطة الدماغية PDF طباعة البريد الإلكترونى

 

كتب صالح مجيد
مقالات الرأي ـ وارف العراق
بدأت المجموعات المسلحة عمليات العنف ضد القوات الأميركية في مدينة الموصل العراقية نهاية عام 2003. واتخذت هذه العمليات بادئ الأمر أسلوبا واضحا تمثل في زرع العبوات الناسفة على الطرق والشوارع التي تمر بها أرتال الجيش الأميركي الذي تمركزت فرقته المجوقلة 101 في مقرين رئيسين: الأول هو مطار الموصل الواقع جنوب غربي المدينة، والثاني هو القصور الفخمة التي بنيت لرئيس النظام البائد شمالي المدينة بما في ذلك مبنى فندق نينوى أوبروي المجاور للقصور الرئاسية.

 وقبل بدء عمليات العنف كان جهاز الشرطة العراقية السابق عاد للعمل ليشكل حلقة الوصل بين الجيش الأميركي والمواطنين العراقيين في ما يتعلق بالجنح والجنايات والجرائم وقضايا القانون المدني. 
وما يثير الغرابة أن الأشهر التي سبقت عمليات العنف شهدت تقاربا حميميا ولافتا بين المواطنين الموصليين وجنود الجيش الأميركي. فالجنود الأجانب كانوا يتجولون بحرّية ودون قلق في طرقات وأزقة المدينة وهم يستقبلون التحايا الحارة من الأطفال والمارة وأصحاب المحلات والسيارات. وكان العديد من المواطنين يدعونهم إلى المطاعم أو إلى شرب الشاي العراقي وإلى تجاذب أطراف الحديث والشكوى من النظام الساقط في مشهد كان يمتزج فيه الشعور بالامتنان لـ "المحتل – المحرر" مع الشعور بالحرمان من هذا الأجنبي الذي لم يسمع انكليزيته أحد منذ عقود طويلة. أما الجنود فكانوا يوزعون وجباتهم العسكرية "الحديثة والغريبة" على كل من يتوقف بالقرب من مركباتهم العسكرية، ويرطنون بمفردات عراقية بطريقة طريفة.
هذه المشاهد المثيرة لم تدم طويلا؛ حيث بدأت البيانات ترد إلى مراكز الشرطة محذرة من الاقتراب من قوات "الاحتلال" وتحديدا إلى مئات المترجمين و"العملاء" الذين كانوا ينسقون العمل بين الجيش الأميركي والشرطة. وكانت البيانات تتضمن أيضا تصريحات بـ "إعادة بناء خلايا حزب البعث"، وأن هذه الخلايا ستشن هجمات على قوات "العدو".
وما أن بدأت الانفجارات التي راح ضحيتها جنود أميركيون وآخرون من قوات التحالف حتى بدأت المسافة تتسع بين المواطن الموصلي ومخلّصه الأميركي. وأصبح اقتراب الناس والسيارات من المركبات العسكرية خطرا على الطرفين بحيث ظهرت ملصقات التحذير على هذه المركبات مكتوبة بالعربية والانكليزية "لا تقترب .. خطر"! كما عزا المواطنون سبب هذا التحول الخطير في العلاقة إلى الفراغ الأمني الذي تركه انهيار جهاز الأمن السابق، الفراغ الذي لم يتمكن جهاز الشرطة المشهور بالفساد الوظيفي من سده، وكذلك إلى إحالة الجيش العراقي على التقاعد دون الإسراع ببناء جهاز أمن وجيش بديل يتكفلان بمعالجة العنف وحماية الشوارع والبيوت وفهم المواطنين.
ومع بزوغ عام 2004 تطورت عمليات العنف في الموصل من مجرد عبوات ناسفة موجهة إلى الأميركيين إلى اشتباكات بين المسلحين والأميركيين من جهة، وبين المسلحين والشرطة العراقية من جهة أخرى رافقتها عمليات اختطاف واغتيالات تكاد تكون يومية ضد المدنيين.
وأغرب ما في عمليات الخطف والقتل أنها كانت تنفذ لأسباب واهية الهدف الوحيد منها هو توسيع الفجوة بين المواطن والأميركي؛ فكان المترجمون والصحفيون ورجال الأعمال والبيّاعون والحلاقون والطباخون...إلخ يقتلون بحجة واحدة هي أنهم "عملاء" للأميركيين. كما اختطف المسلحون العديد من هؤلاء المدنيين مطالبين بفدية من أهاليهم مقابل الإبقاء على حياة أبنائهم.
وأذكر في هذا السياق حادثة وفاة الشاعر والصحافي حاتم حسام الدين الذي كان يعمل مدير تحرير جريدة "الموصل اليوم" التي أصدرها الجيش الأميركي آنذاك. فقد توقف عن العمل بعد استلامه رسائل تهديد، وفقد القدرة على إعالة زوجته الحبلى وطفلته. ومع ذلك ظل المسلحون يداهمون بيته من فترة لأخرى، ويطالبونه بـ "الفدية" ويشبعونه وزوجته ضربا حتى أنها أجهضت جنينها أثناء إحدى اعتداءاتهم عليهما. ولم يمت حاتم، بعد ذلك، بمقابض مسدسات المداهمين ولا بأعقاب بنادقهم، ولا بعملية اغتيال خاطفة، لكنه مات بجلطة دماغية لم يفسرها أصدقاؤه المقربون إلا بنوبة الخلاص من الإرهاب اليومي.
وشهدت نهاية عام 2004 سقوط مراكز الشرطة والمؤسسات الحكومية – ما عدا مبنى المحافظة- ومحطة تلفزيون نينوى المحلي وفرع قناة العراقية في الموصل على أيدي المسلحين. وفي كل مرة تستعيد فيها القوات الأميركية مركز شرطة ما، يشن المسلحون هجوما على مركز آخر في لعبة كر وفر لم تكن تنتهي. ومع مجيء قوات "لواء الذئب" المتشكلة حديثا وقتذاك؛ انحسرت عمليات العنف بشكل واضح في المدينة بحملة اعتقالات واسعة شنها لواء الذئب رغم اتهامه من البعض بالخروج عن سياقات التحقيق والاعتقال القانونية التي تتلاءم مع مبادئ "الديمقراطية".
وساهم تلفزيون نينوى بشكل كبير في إنجاح هذه الحملة ببرنامجه اليومي "الإرهاب في يد العدالة"، حيث كان يعرض يوميا تحقيقات حية يقوم بها ضباط لواء الذئب مع المتهمين تتبعه سلسلة مكالمات هاتفية مع المواطنين لمعرفة ردود أفعالهم. أحد المواطنين الذي بدا صوته متهدجا في الهاتف قال عبارات ما زلت أذكرها نصا: "دمروا المدينة بشعارات المقاومة والجهاد. من يعتقد أنه مجاهد، فليجلس في بيته .. ويخرس"!

 
© 2009 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الوارف للدراسات الإنسانية
الكتابات المنشورة على موقع الوارف خاصة بالمعهد، في حال الاقتباس أو النقل عن الموقع يرجى ذكر المصدر المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة توجّه المعهد، في حين تمثل وجهة نظر كاتبيها