|
الجمعة, 08 يناير/كانون ثان 2010 02:59 |

| بقلم صالح مجيد نقلا عن أوان الكويتية يعزو المراقبون تدهور الوضع الأمني العراقي إلى فشل الأداء الاستخباري في متابعة نشاط المسلحين، والكشف عن العمليات الإرهابية قبل وقوعها. كما يحيل البعض فشل جهاز الاستخبارات نفسه إلى تعددية التوجهات والانتماءات السياسية التي خلفتها المحاصصة الطائفية والقومية داخل الحكومة، وإلى الفساد الإداري الذي ينخر جسد المؤسسة الحكومية التي تشكلت حديثا في عراق ما بعد الدكتاتورية. |
الحلقات الضعيفة تتسع، بدءاً من المسؤولين الصغار في مؤسسات الدولة العراقية، مرورا برجال الشرطة، وعناصر الأمن والاستخبارات، ووصولا إلى المسؤولين في وزارتي الداخلية والدفاع والقادة الأمنيين الذين تعرضوا للاستدعاء من البرلمان العراقي، أكثر من مرة، بعد حوادث التفجير الدامية التي أودت بحياة المئات في بغداد وغيرها من المدن. ولاشك أن فاعلية الأجهزة الأمنية في أي بلد في العالم تكمن في جهازه الاستخباري. فالسيارة التي تقطع الطريق من مدينة أربيل عاصمة إقليم كردستان في أقصى الشمال، إلى بغداد الواقعة في الوسط العراقي، أي مسافة 350 كم، لا تتعرض لأي تفتيش فعلي من نقاط السيطرة الأمنية المنتشرة بشكل مكثف على طول هذه الطريق. وعادة ما يكتفي رجال الشرطة والأمن بإلقاء السؤال المكرر على الركاب «من أين جئتم؟»، وطلب الهويات الشخصية، ثم السماح للسيارة بالمرور. ولا ينطبق هذا الواقع طبعا على إقليم كردستان الذي يعيش حالة استقرار أمني لا تحسده عليها باقي أجزاء العراق فحسب، بل كبريات المدن العالمية التي تعاني من جرائم يومية. فالسيارة التي تدخل الإقليم تتعرض لتفتيش دقيق أشبه بالذي نشهده في المطارات الدولية؛ حيث تركن السيارة جانب نقطة التفتيش، وينزل الركاب منها فردا فردا، ويجري تفتيش صندوق السيارة ومقاعدها وماكنتها. وبعد ذلك يجري التحقيق مع الوافدين إلى الإقليم لمعرفة هوياتهم وأسباب دخولهم، ومن ثم يُمنح كل واحد منهم بطاقة خاصة بالدخول، مع ضرورة مراجعتهم المكاتب الأمنية التابعة للأقليم في حال بقائهم لأكثر من أسبوع هناك. أما موضوع أجهزة الكشف عن المتفجرات التي يستخدمها رجال الأمن داخل بغداد وعدم فاعلية هذه الأجهزة -كما شكك بذلك جنرال أميركي مؤخرا-، وعدد نقاط التفتيش التي تصل أحيانا إلى أكثر من ثلاث نقاط في شارع لا يزيد طوله على مئة متر، والانتشار الواسع للجيش والشرطة في مختلف مناطق المدينة، فإن ذلك كله يكون مدعاة للاستغراب والأسى، قياسا بعمليات العنف التي تقع يوميا في العاصمة التي تحول مشهدها إلى لوحة سوريالية قبيحة اختلطت فيها ألوان البزّات العسكرية بالألبسة المدنية، وسير المركبات العسكرية بالحركة السلحفاتية للسيارات المدنية في شوارعها الكبيرة بداعي التوقيفات «الشكلية» لنقاط السيطرة والتفتيش. وإذا ما عرفنا أن الحصول على بطاقة هوية مدنية عراقية مزورة لا يكلف أكثر من خمسين دولارا، وعلى جنسية عراقية مزورة لا يكلف سوى مئة دولار، والحصول على جواز سفر عراقي مزور يكلف حوالي أربعمئة دولار (بعد ارتفاع أسعار الجوازات)، ربما ندرك سهولة حركة الغرباء والمفسدين من خارج البلاد إلى داخلها، ومن داخلها إلى داخلها، واختراقهم العاصمة والمدن العراقية بالوثائق المزورة والسيارات المفخخة. هذا الواقع الأمني المنهار يُخيِّب يومياً آمال التنويريين والليبراليين والمتطلعين إلى العيش في بلاد كان من الممكن أن ترتقي إلى حال حضارية متقدمة بفضل واقعها السياسي الديمقراطي، على رغم أن ذلك لا يعني أبدا اشتياقهم إلى عصر الاستبداد والأحادية الأيديولوجية. تجدر الإشارة إلى أن كتل الحواجز الكونكريتية التي من المفترض أنها تحمي من المفخخات والطلقات والشظايا أصبحت جزءاً من مظاهر العراق من أقصاه إلى أقصاه، مع أن هذه الحواجز لم تعد تعبّر إلا عن الإحساس بالعجز في التفكير والإدارة. سائق التاكسي الأشيب الذي كان يقود السيارة في شارع مسيّج من الجانبين بهذه الحواجز، قال ذات مرة: لو كانت هذه الحواجز الكونكريتية داخل الإنسان نفسه لما احتاج إليها في الشوارع! |