 | كتب جهاد الرنتيسي خاص الوارف ـ مقالات الرأي قد تكون نزعة الخروج من حالتي " الرخاوة " و " الترهل " العربيين ، الظاهرة بوضوح في التحركات الاخيرة التي قامت بها القيادة الفلسطينية ، سببا للاعتقاد بخروجها عن سياقات الاحداث وظرفها الموضوعي ، واقترابها من زمن الاشتباك الحقيقي . |
بعض معطيات الاعتقاد بالخروج عن المعزوفة التي ضبطت الايقاع السياسي الفلسطيني والعربي خلال الاعوام القليلة الماضية تعود لمفارقة الاداء الجديد نمطية استرضاء الشريك الاسرائيلي المفترض في عملية السلام المتعثرة . كما يفارق التحرك الذي يعيد الى الاذهان هجوم السلام الفلسطيني التصورات التي اعتادت المخيلة على افرازها للخروج من الازمات السياسية المتراكمة . فلم تزل الذهنية العربية والفلسطينية خاضعة لذاكرة تشكلها حروب خاسرة وشعارات اثبتت قلة جدواها . الا ان المخيلة التي توقفت في وقت مضى مذهولة امام الانتفاضة الاولى لم تكن وحدها العاجزة عن استيعاب تسارع الاحداث التي اعقبت اعلان السلطة الوطنية الفلسطينية عن رغبتها بالتوجه الى المجتمع الدولي لترسيم حدود الدولة المعلنة قبل ما يزيد عن العقدين . واللافت للنظر ان مخيلة المجتمع الاسرائيلي المندفع يمينا لم تكن اكثر اتساعا وقدرة على استيعاب ايغال القيادة الفلسطينية في الخيار السلمي رغم اغراءات خيار الانتحار السياسي . فالقلق الذي اظهره اليمين الاسرائيلي الحاكم غداة اعلان رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض عن خطته لاستكمال بنية الدولة تحول الى مايشبه حالة الذعر مع بدء التحركات التمهيدية لنقل عملية السلام الى مجلس الامن . والواضح من خلال التهديدات الاسرائيلية بالغاء اعلان مبادئ اوسلو ، واقتحام مدن الضفة الغربية ، والتوقف عن دفع عائدات الجمارك للسلطة الوطنية ان الجانب الاسرائيلي كان يتهيأ لمواجهة انتفاضة ثالثة ، تتيح المجال امامه لشن حرب غير متكافئة ـ على غرار ما جرى في قطاع غزة ـ تخرجه من مأزقه ، الناجم عن رفضه التجاوب مع المتطلبات الاساسية لعملية السلام، والمتمثلة بوقف الاستيطان . فالتجربة الاسرائيلية قائمة منذ نشوء الكيان على استدراج الخصوم لخوض حروب تعقبها اتفاقيات هدنة لدى وصول المشروع الصهيوني الى مأزق يهدد فلسفة وجوده . وعلى مدى العقود الماضية اظهر الاحتلال الاسرائيلي شهوة للقتل والقمع ، حين يتعلق الامر باحتجاجات سلمية في الضفة الغربية وقطاع غزة واوساط فلسطينيي الاراضي المحتلة عام 1948تثير التعاطف العالمي مع الشعب الفلسطيني ، حيث اقدم الجيش الاسرائيلي على تكسير عظام الشبان خلال الانتفاضة الاولى ، واطلاق النار على رماة الحجارة في الانتفاضة الثانية ، ولا يتوانى عن استخدام اقسى اشكال العنف والقسوة ضد مسيرات الاحتجاج على مصادرة الاراضي و بناء الجدار العازل لعين وغيرها من القرى المحاذية للجدار العازل . لكن الادوات المستخدمة في الحروب والقمع بدت عاجزة امام الخيال السياسي الذي تمخضت عنه فكرة لجوء قيادة السلطة الى المجتمع الدولي دون زج الشارع الفلسطيني في مواجهة توفر غطاء لاقتحام المدن . ولعل اخطر نتائج التوجه الفلسطيني ـ الذي يأتي بعد التصويت على تقرير غولدستون ـ قدرته على احراج السياسة الاسرائيلية في المجتمعات الغربية حيث لم يعدم الرأي العام القدرة على التأثير في السياسة الخارجية للدول. في ردود فعلها الاولية على الطرح الفلسطيني بدت العواصم العربية خارج سياقات الوعي . فهي تدرك جيدا خطورة جمود عملية السلام ، المقترن بمواصلة الجانب الاسرائيلي لعملية الاستيطان ، والنتائج التي يمكن ان تتمخض عن ذلك ، وفي مقدمتها تلاشي خيار الدولتين ، والدخول في دوامات عنف جديدة. الا انها تدرك ايضا عجزها عن مواجهة السياسة الاسرائيلية ، ومحدودية تأثيرها في مراكز صنع القرار الدولي ، ولا سيما الاميركي المنحاز لاسرائيل . ورغم امكانية تحسين شروطها لدى المجتمع الدولي في حال اسنادها للتحرك الفلسطيني واستثماره سياسيا فضلت الضغط على الجانب الفلسطيني . فالبيان الذي اصدره وزراء الخارجية العرب ، لحفظ ماء الوجه ، لا يخفي حقيقة تجسد الخيار الاقل كلفة ، في منظور النظام الرسمي العربي ، والمتمثل في المضي بسياسة دفن الرؤوس في الرمال حتى نهاية الشوط . وبغياب بدائل النظام العربي في التعاطي مع القضية الفلسطينية وتبعاتها ـ مع خروج المبادرة العربية من محيط التداول الفعلي ـ وآليات التعاطي الاميركي مع عملية السلام المتعثرة ، واستمرار الاستيطان الاسرائيلي في نهش اراضي الضفة الغربية وتهويد القدس ، اظهرت السياسة الرسمية العربية تجاهلا للخطر ، رغم الكلفة الباهظة لهذا التجاهل على عموم المنطقة في المدى المتوسط وربما القريب . عوارض النمطية وقلة الجاهزية في تغيير شكل وجوهر التعامل مع تطورات القضية الفلسطينية ظهرت على السياسات الغربية ايضا . فقد عبرت الادارة الامريكية بشكل واضح عن معارضتها لجوء الفلسطينيين الى المجتمع الدولي لترسيم حدود دولتهم المنشودة واخراجها من مربع "المتنازع عليه " الى دائرة " الواقع " تحت الاحتلال . وباتخاذها مثل هذا الموقف الذي لا يخلو من شرعنة للاحتلال اعفت واشنطن نفسها من ممارسة ضغوطات حقيقية على اسرائيل رغم ادراكها بان هذه السلبية في الاداء تتيح للجانب الاسرائيلي مواصلة فرض وقائع جديدة على الارض . فالقضية الفلسطينية وتداعياتها في سلم اولويات صانع القرار الاميركي واحدة من ازمات يجري التعامل معها بحذر ووفق ميزان الربح والخسارة . ولا تخلو حسابات صانع القرار الاميركي بطبيعة الحال من توازنات داخلية اطرافها مراكز القوى التي تشمل من بين ما تشمله اللوبي اليهودي وكبريات شركات النفط وصناعة الاسلحة . كما ادارت العواصم الاوروبية ظهرها لفرصة القيام بدور فاعل في اخراج عملية السلام من مأزقها الراهن . ففي المواقف التي عبرت عنها القارة العجوز بعبارات دبلوماسية مقتضبة تنويعات على اشكال التهرب من التزاماتها تجاه العملية . وبتهربها من التزاماتها تكرس العواصم الاوروبية حالة افراغ دورها من اية مضامين حقيقية رغم التنامي المطرد لحضورها الكوني الناجم عن فشل السياسة الاميركية في انهاء الازمات . فلم تزل القضية الفلسطينية واحدا من اهم مفاتيح المنطقة ان لم تكن اهمها على الاطلاق . صدمة الوعي التي خلفتها تداعيات هبة السلام الفلسطينية لم تقتصر على تجليات العجز الرسمي العربي ـ الذي تتساوى فيه عواصم الاعتدال والتطرف ـ والارتباك الاسرائيلي والانحياز الاميركي والرياء الاوروبي . فهناك ما يكفي من الدلالات على ازمة اصحاب الشعارات الكبيرة والدائرين في افلاكهم . تظهر بعض هذه الدلالات بوضوح في تمني دمشق على انقرة تحسين علاقاتها مع اسرائيل للقيام بوساطة تزيل العقبات التي تعترض المفاوضات الثنائية وتمنح الجانب الاسرائيلي فرصة اخرى للعودة الى اللعب على المسارات التفاوضية . فالعاصمة السورية في ذهنية العديد من القوى السياسية قلعة الرفض العربي ، وتستضيف مكتب مقاطعة اسرائيل ، و قيادات الفصائل الفلسطينية صاحبة المواقف الاكثر حدة ، ولا تترك فرصة سانحة للمزايدة على المعتدلين العرب ، ومهاجمة السياسات الغربية . |