الرئيسية مقالات الرأي اختلاف معاني المفاهيم والشعارات في زمن العولمة

دراسات ميدانية





اختلاف معاني المفاهيم والشعارات في زمن العولمة PDF طباعة البريد الإلكترونى
الجمعة, 30 أكتوبر/تشرين أول 2009 16:01

كتب جان عبد الله
خاص ـ وارف سوريا

بدأت مرحلة نظام دولي جديد معولم بعد انتهاء الحرب الباردة وتوارت مع هذه المرحلة الجغرافيا السياسية لمصلحة الجغرافيا الاقتصادية ، وجدير بالذكر أن معظم أزماتنا في سوريا لها جذور سياسية لهذا يجب إعادة الاعتبار للفكر السياسي النقدي الحر لمواجهة تحديات هذه العولمة لأن معركتننا ليست اقتصادية ومعرفية بل هي سياسية أيضا.

وحتى لا نغرق في الشعارات المطروحة اليوم والتي تكتفي بمحاربة قيادة الولايات المتحدة للنظام العالمي الجديد بل يجب التمييز بين استغلال القوى العظمى للعولمة وبين جوهرها الايجابي الذي يعد كسبا ثمينا للبشرية. فالعولمة اليوم أصبحت واقعا يمثل مرحلة جديدة من تطور المجتمع البشري. إنها الثورة العلمية والتقنية في مجال الاتصالات والمعلومات والفضاء. لذا فإن انصهارنا في الثورة الكونية أصبح حتميا إن كنا نريد أن نلحق بالركب الحضاري العالمي.
من ناحية ثانية سلبية فإن شعبنا في سوريا وكجزء من الأمة العربية أصبح يشعر بأن اهدافه الكبرى قد تقلصت إزاء هذه الظاهرة الجديدة التي لايمكن فصلها عن الهموم السورية الكبرى والعربية لأنها تمس حياة المواطنين جميعا بحكم تأثيرها اليومي عبر وسائل الاتصال الجديدة حيث فرض تيار العولمة نفسه عبر ثقافة الصورة على جميع شرائح المجتمع ،هنا أجد أن من واجب المفكرين السوريين وجميع المهتمين بالشأن العام أن يعيدوا انتاج القضايا المطروحة في المجتمعات المتقدمة كما فعلوا سابقا مع ظاهرة الحداثة والاشتراكية والديموقراطية والليبرالية ، وأن يضعوا لنا نهجا لاستغلال هذه الظاهرة كوسيلة إضافية لتخليص شعبنا من مظالم نظام العائلة القائم.
إضافة إلى الجوانب الايجابية والسلبية لهذه الظاهرة لا بد من الاعتراف انها من الناحية الايجابية قد أزالت الحدود وطوت المسافات ونشرت عبر وسائلها الحديثة  قيما انسانية مثل التسامح والذود عن حقوق الانسان والاعتراف بهوية الآخر وثقافته وأنهت في نفس الوقت نظرية التفوق الشوفيني لعنصر على الآخر وجعلت العالم قرية كونية جديدة. لكنها في الجانب السلبي الآخر وتزامنا مع نظرية السوق الكونية الواحدة اتخذت من مظاهر التطرف التي تشكو منها بعض البلدان الاسلامية دليلا على استحالة التعايش مع الحضارة المشرقية وهو ما سماه صموئيل هنتنغون بصدام الحضارات تنظيرا يتسم بالتهويل والمبالغة جاء متمما لمقولة نهاية التاريخ ومعلنا انتصار نظام دولي وحيد وبقي عليه ان ينتصر في معارك الصدام الحضاري القادمة.
إن اضطراب معاني المفاهيم والشعارات في مجتمعنا كان ظاهرة ملازمة في الفكر السياسي العربي أفضى الى اضطراب المؤسسات السياسية وتخبطها ومن ثم اخفاقها في مهمهة اعادة بناء الأمة وتطويرها الى الأفضل :


مفهوم الوحدة العربية:


كانت الأحزاب والمنظمات الداعية الى الوحدة العربية كثيرة وعلى رأسها البعث العربي الاشتراكي، غير أنها كانت متباينة في فهمها لأسس الوحدة ومقوماتها كما أنها ظلت تراوح في ضبابية التطورات وعموميتها ولم يصل أي منها الى تبني صورة محددة للوحدة أو الاتحاد والثبات عندها ولا على بنيتها الداخلية هل هي قائمة على الديموقراطية أو على حكم الفرد كما حصل في تجربتنا مع نظام عبد الناصر أم هو حكم الحزب الواحد. حتى طريقة الوصول الى هذه الوحدة لم توضح فهل نعتمد طريقة القطر القدوة أم طريقة الأقطار المتلاقية وهل السبيل الى ذلك هو الحل العسكري أم الحل الديموقراطي التبشيري أم الحل المختلط التوفيقي.
كذلك كانت الفكرة الاتحادية أواللا مركزية ملتبسة هي أيضا لأن القائلين بها كانوا يحملون أفكارا غامضة من نماذج الأنظمة اللا مركزية في العالم وأن أحدا من هذه المنظمات والأحزاب لم ينصرف الى دراسة تكوين مؤسسات الدولة الاتحادية وتحديد وظائفها تمييزا لها عن مؤسسات الولايات أو الدويلات الاتحادية.  إن الضياع والخلط في مسالة الوحدة والاتحاد ما يزالان يبسطان ظلهما على تفكير معظم المهتمين بالشأن السياسي حتى اليوم لأن صعوبات كثيرة تعترض موضوع الاتحاد والتلاقي في عالمنا العربي منها على سبيل المثال دول البترول العربي والتي هي بالأساس آبار نفط رفعت عليها اعلام دول صورية ولن يكون في المستطاع الاقتراب منها الا بعد قيام عالم متعدد الأقطاب لأنها في وضعها الراهن تمثل تقاطعا للمصالح الدولية الاستراتيجية الكبيرة بل ينبغي فقط الاقتراب غير المباشر من شعوبها نقصد تقوية الروابط الأخوية وارجاء تقرير مصيرها الى حين تختلف فيها صورة العالم وخريطته الاستراتيجية عما هو عليه الآن ، فالبترول في منطقتنا العربية قطع الطريق على سير تطور الأمة الطبيعي ووضعها في بؤرة الضغوط السياسية العالمية بل في بؤرة الصراع الدولي على الطاقة بينما مجتمعاتنا ما زالت في حالة هشاشة وأحوالها متغيرة وعلينا كساعين الى هذا الهدف السامي أن نستجيب الى أية أوضاع تتيح أزالة أية مسافة من مسافات التجزئة و ألا نظل أسرى القوالب والشعارات المسبقة الصنع خاصة و ان الاحوال الدولية المعاصرة تؤيد النظام اللا مركزي وفي واقعنا العربي فإن مثل هذا النظام مقبول في الوقت الراهن ويزيل كثيرا من الحساسيات والمخاوف التي استولدتها تجربة الوحدة مع القطر المصري عام 1958 بينما في تلك الحقبة فان مثل هذا النظام كان مرفوضا من غالبية المفكرين السياسيين والقوميين واني لأذكر مقال المرحوم الاستاذ اكرم الحورانى حينما طرح فكرة الوحدات الثلاث كسبيل لوحدة الأمة العربية  قامت الدنيا ولم تقعد عليه.
لذا فانه واجب على الطليعيين والمناضلين السياسيين في سوريا وبقية الأقطار العربية ان يجعلوا في هذه المرحلة بالذات من قطرهم قدوة في بناء مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني الحقيقية غير المزورة ومجهزة بالمناهج العلمية للعمل والتنمية الهادفة لخدمة المجموع والى تعبئة  المواهب وتطبيق قواعد العلم الحديث من ضمن نظام تربية منهجي وعصري مختلفا عن نظام التربية الأجوف القائم الآن.
لأن اللقاء بين دول مؤسسات حقيقية في اطار علاقات وحدوية يصبح أيسر من الناحية العملية في عصر تتجه فيه الأمم الى تكوين الروابط السياسية تحت ضغوط ضرورات التنمية الاقتصادية والاستقرار الأمني ونظافة البيئة الباهظة التكاليف والتي لاتطيقها الكيانات الصغيرة كذلك فأن من واجبات هذه الطليغة نفسها قطع دابر التفاخر وخداع النفس والتنصل من المسؤلية وتبرئة الذات والقاء اللوم على الآخر هذه الأمراض المزمنة التي تفشت بشكل واسع في مجتمعنا السوري وطبعت الممارسات السياسية والاجتماعية ولقد آن الأوان الى اعتماد النقد الذاتي الذي لا يرحم ولا يساوم لأنه شرطا ضروريا لبدء نهوض جديد.

 

مفاهيم الديمقراطية والحرية والاشتراكية:


من المعلوم ان الديمقراطية لا تتحقق من دون حرية وكذلك من دون مساواة وهي حقيقة لم تتحقق في اي بلد بشروطها الاساسية وكمالها ولكنها في البلدان العربية ومنها سورية تبرز كأزمة شديدة تتأرجح بين الالغاء الكامل وبين الوجود الرمزي المشوه لأن مقومات الديمقراطية والتي هي الحرية والمساواة مبنية على أسس مغلوطة ومشّوهة ، فالحرية عندنا أمتياز تمنحه السلطة والمساواة غير متوفرة بتاتا بين شرائح المجتمع لا بل حتى بين الرجل والمرأة. أن الديمقراطية تظل الهدف النبيل السامي لكل مجتمع لأنها الوسيلة الوحيدة الأرقى لتنمية الحياة ولضمان الرقي والتقدم والحفاظ على القيم العليا كما أنها الاطار الأفضل لفعالية الأفراد والجماعة و ان كل المحاولات الديمقراطية الجادة كانت هدفا لتدخل الغرب وتخريبها بصورة سافرة أو مستترة وان تجربة سوريا البرلمانية الديمقراطية في الخمسينيات من القرن الفائت مثال بارز على ذلك.
اننا ننشد ديمقراطية تحفظ للناس حقوقهم الأساسية في كل الظروف حق الحياة وحق الاعتقاد وحق التعبير بكل الوسائل شرط الا يدعوا الى العنف وأن يضمن الحرية المدنية وحكم القانون.

 

الشروط المطلوبة لبدء عهد ديمقراطي صحيح:

1- الغاء قانون الطوارىء ومنع اللجوء اليه الا في حالات استثنائية جدا ومحدودة.
2- تكريس مبدأ المواطنة للتساوي بين المواطنين مهما اختلف العرق أو اللون أوالدين أو المذهب أو الجنس بشكل واضح لالبس فيه.
3- المساواة التامة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات.
4- الألغاء الفوري للأجهزة الأمنية السرية كافة ماعدا المتخصصة بمكافحة التجسس فالدولة لن تستقيم قبل ازالة هذه الازدواجية لاعادة وجهها الدستوري.
5- فتح الباب أمام اقامة مؤسسات المجتمع المدني من جمعيات ونواد وهيئات ثقافية ومجالس بلدية وهيئات علمية وبيئية ونسائية ديمقراطية النهج تعيد الى نفوسهم الاعتبار والاحترام الذاتي وهنا لابد من انتشار هيئات رقابية للتأكد من النزاهتين الفكرية و المادية.
6- فرض سلطة القانون الفعلية واحياء شعور المواطن بتجديد مؤسسة القضاء هيكلا ومضمونا واداء وكفالة استقلالها بوضفها المؤسسة الحاضنة والضامنة لسلامة سير المجتمع.
7- اقرار حرية الصحافة والتعليم للاحزاب والمؤسسات وفق قانون يضمن شروط عملها ويمنعها من الانحراف والتبعية.
8- تغيير نظم الثقافة والتعليم في كل المستويات تغييرا جذريا ونوعيا لفرض مبدأ المنهج العلمي الملتزم والذي يهدف الى تأهيل مثقفين وعلماء وباحثين من ذوي التفكير السليم ويقرن المضمون التربوي الاخلاقي بالمضمون العلمي ويعيد للمؤسسات التعليمية الحرية والدور الطبيعي في التوجيه والتقويم ويلغي المؤثرات الضارة والهيئات المتسلطة المعيقة كاتحاد الطلبة واتحاد الشبيبة والطلائع وممارسات الاجهزة غير المنظورة ويلغي كل الامتيازات الممنوحة باسماء مختلفة والتي تزيد من تدني مستوى التعليم وتخرق مبدأ تكافؤ الفرص.
9- مراجعة السياسات الاقتصادية وخطط التنمية الجوفاء والشكلية جذريا لبناءها على مبدأالتنمية الهادفة الى العدل الاجتماعي.
وأخيرا لا بد من المرور على مفهوم الاشتراكية الذي تبنته الكثير من الحركات والاحزاب في العقود الاربعة الماضية في سوري

 

مفهوم الاشتراكية:


والتي هي أمل البشرية للخلاص من القهر والتفاوت الظالم بين شرائح المجتمع والتي ستبقى منارة المستقبل التي يصبوا اليها فقراء العالم، فلقد ساهم البعث في اشاعة الغموض في مسألة الاشتراكية منذ الخطوة الاولى حينما دعا الى شعار الاشتراكية العربية من دون تعريف مضمونها وحدودها وكان الكثير من التناقض في نصوص دستوره وعلى سبيل المثال : نصت المادة 34 من دستور حزب البعث أن التملك والارث حقان طبيعيان مصونان في حدود المصلحة القومية وهنا يكمن سر التناقض فكيف يكون حق التملك مصونا اذا كان مالكا لوسائل الانتاج وكيف يمكن للثروة المنتقلة عن طريق الارث أن تصبح مشروعة ومصونة وبمعنى آخر لم يؤسس البعث فهما اشتراكيا محددا ولم يدرس المسألة بجدية منهجية وحينما تولى السلطة بعض أنصاره في القطرين السوري والعراقي شهد التطبيق ألوانا من المزاجية والتخبط وسوء المعاملة وغياب البرامج مما أنتج ركاما من الخراب على الصعيدين المادي والمعنوي وادى الى تسلط سافر لبعض الانتهازيين النابتين من قاع المجتمع يدفعهم الجهل والجشع والحقد وجمع المال الحرام بأي وسيلة كانت .
ان العدالة الاجتماعية هي المحتوى المادي للاشتراكية وللحرية فالعدالة الاجتماعية ليست احسانا يمنحه اناسا لآخرين تفضلا ومنة ولكنها حق مشروع لايجوز التنكر له.
اننا في المعارضة السورية مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى بالتمسك والتشديد على مسألة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وفصل الدين عن الدولة والتخلص من التعميمات الفضفاضة التي تؤدي عمليا الى تملص الأفراد والمسؤليين من الحساب والمسؤلية المباشرة. لأن الاشتراكية هي مذهب اقتصادي وهي وسيلة لتوسيع التنعم بالحرية فلا توجد اشتراكية عربية أو غير عربية وانما تجارب سميت اشتراكية تختلف من بلد الى آخر في التطبيق تبعا لأوضاع ذلك البلد.


 

 
© 2009 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الوارف للدراسات الإنسانية
الكتابات المنشورة على موقع الوارف خاصة بالمعهد، في حال الاقتباس أو النقل عن الموقع يرجى ذكر المصدر المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة توجّه المعهد، في حين تمثل وجهة نظر كاتبيها