الرئيسية مقالات الرأي في القرآن ..رسالة إلى جميلة بنحبيب

دراسات ميدانية





في القرآن ..رسالة إلى جميلة بنحبيب PDF طباعة البريد الإلكترونى
الخميس, 25 يونيو/حزيران 2009 18:45

كتب حسان جمالي
خاص وارف مقالات الرأي

ترددت كثيرا قبل أن اقرأ كتابك، "حياتي عكس القرآن"*، ليس بسبب حساسيتي الدينية المفرطة التي يعاني منها الكثيرون. ولكن لأنني وجدت العنوان عدوانيا دون مبرر، ولأني كنت أتمنى لو قرأ كتابك المسلمون قبل غيرهم. ولكن العنوان وضع سدا بينك وبين المسلمين مؤمنين وغير مؤمنين.

المؤسف في الأمر أن في سيرة حياتك متعة كبيرة وفائدة كبيرة لهم. والذي يقرأ الكتاب يدرك مدى محبتك لشعبك ولبلدك، ومدى تضامنك مع المرأة الجزائرية (أول امرأة عربية خاضت معركة الإستقلال)، ضحية الأصولية والإسلام السياسي الأولى.
كيف يبرر الأسلاميون انتهاكات حقوق المرأة في الزواج والطلاق والإرث والحضانة؟ انهم يستشهدون بآيات قرآنية. وطالما ان هذا او ذاك مذكور في القرآن، يعني عل المسلمين ان يخرسوا وان لا يناقشوا وان يقبلوا بما جاء في القرآن حتى يرث الله الأرض وما عليها.
انت ترددين نفس الحجة ونفس الايات لتقدمين البرهان على ان القرآن فضل الرجل على المرأة. هل انت مدركة انك باستخدام هذا المنطق تناقضين اركون ومالك شيبل وصهيب بنشيخ وغيرهم من المسلمين المتنورين الذين يعملون على إصلاح الإسلام وذلك بوضع الآيات القرآنية في سياقها التاريخي والإجتماعي؟ أكثر من ذلك انك ولو بطريقة غير مباشرة، تدعمين اطروحة طارق رمضان الذي خرج علينا مؤخرا بكتاب عنوانه: "الإسلام. الإصلاح الجذري". والذي لا يقدم أي اصلاح لا جذري ولا جزئي بل على العكس يرسخ الأصولية الدينية في تقديس النص القرآني وآراء كبار الأئمة بعد ان يغطيها بطلاء عصري مقتبس من المفرادات المتداولة في الغرب. حتى انه في اصلاحه "الجذري" هذا لا يطالب بالغاء عقوبة رجم المرأة ( رغم عدم وجود هذه العقوبة في القرآن) وانما يطالب بوقف التنفيذ حتى اجل آخر.
القرآن يا سيدتي هو الكتاب الديني الوحيد الذي كرس المساواة التامة، من الناحية الإنسانية، بين الرجل والمرأة. وكان على المسلمين ان يسعوا باستمرار الى التوصل الى هذه الغاية ضمن الظروف الإجتماعية وتطور الفكر الإنساني. ولو كان المسلمون امناء على مبادئ السلام الحقيقية لكانوا السباقين الى مساواة المرأة بالرجل والغاء الرق. ونحن نعرف ان الخليفة عمر بن الخطاب، بعد سنوات على وفاة الرسول، وضمن نفس البيئة التي نزل فيها القرآن الغى قاعدتين، رغم وجود نصين صريحين حولهما في القرآن  المقدس، وهي الغاء حصة "المؤلفة قلوبهم" من الزكاة والغاء عقوبة قطع يد السارق في عام المجاعة (القرآن لم يضع اي استثناءات لهذه العقوبة).
من حقك ان تنتقدي الإسلام ومن حقك ايضا ان تكوني ملحدة. ولكن اتهام نص يعود لحوالي 1500 سنة وخاضع لتفسيرات وتأويلات عديدة على انه مسؤول على  ما فعله البشر بالشريعة وتطبيقها وعلى الأهوال التي ترتكب باسمه هو تاييد لحجج الذين جعلوا من الدين ايديولوجية سياسية بحجة ان هذا مذكور في القرآن.
لقد خرج من رحم الماركسية تياران: الشيوعية والإشتراكية الديمقراطية. كلاهما استندا على كتاب رأس المال لماركس. كتاب رأس المال ليس مسؤولا عن اهوال الشيوعية. المسؤولون هم الذين حولوا الماركسية الى ايديولوجيا شمولية دموية. اما الإشتراكيون الديمقراطيون فقد استندوا على الماركسية لجعل مجتمعاتهم اكثر عدالة واكثر احتراما لحقوق الإنسان.
الشيوعية ماتت بينما ما زالت الإشتراكية – الديمقراطية حية وفعالة .
وسيلاقي الإسلام المصير نفسه، وعلى المسلمين ان يختاروا بين رؤيتين للإسلام: رسالة تحرير الإنسان السمحاء او الإيديولوجية السياسية القروسطية.
في العهد القديم توجد العبارة التالية:
"يا بنات بابل..... سعيد ذلك الذي سيأتي بأطفالك الرضع ليسحقهم على الصخور" وهناك عبارات اخرى على درجة مشابهة من العنف. ولكن لا أحد من رجال الدين المسيحيين يرددها في الكنيسة.
عندنا نفس المشكلة مع النصوص القرآنية العنيفة وتلك التي تعطي الرجل امتيازات كان لها ما يبررها في المجتمع البدوي قديما. وسيأتي اليوم الذي لن يجرؤ فيه أي إمام ان يذكرها في خطبة الجمعة.
وكما هو الحال في الماركسية وفي المسيحية، سينتصر التيار الإسلامي الإنساني التقدمي العادل الذي يمكن المسلمين من إعطاء الجانب الروحي مركز الصدارة في حياتهم وممارستهم لدينهم : إسلام التسامح والمحبة والإنفتاح على الآخر. اسلام جدي وجدتي وأمي وأبي. والذين يريدون ان يحكموا بالحديد والدم، ليبحثوا عن فلسفة لهم خارج اسلامنا.
وختاما، اعترف بأنني استمتعت كثيرا بسيرة حياتك وحياة اهلك واصدقائك كما رويتها بمهارة وحساسية في كتابك. كذلك سردك لما فعله الأصوليون وغيرهم في الجزائر، حول جبن السياسيين وخيانة ابطال الإستقلال. وكم احببت شهادتك عن المرأة الجزائرية التي تعرفنا في المشرق عليها من خلال جميلة بوحريد. كم كان كتابك جيدا لو اقتصر على هذا.
*Ma vie à contre- Coran, VLB éditeur

 
© 2009 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الوارف للدراسات الإنسانية
الكتابات المنشورة على موقع الوارف خاصة بالمعهد، في حال الاقتباس أو النقل عن الموقع يرجى ذكر المصدر المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة توجّه المعهد، في حين تمثل وجهة نظر كاتبيها