 | كتب جهاد الرنتيسي خاص الوارف ـ مقالات الرأي التحركات السياسية تعبير عن حالة تفاعل، تؤثر وتتأثر بالاحداث، لا تأتي من فراغ، ولا يمكن عزلها عن الظروف المحيطة، والتداعيات المتلاحقة، ولا تبقى مفتوحة على المجهول. |
ولأنها استجابة لحاجة غالبا ما تكون آنية وملحة ، يتطلب التعاطي العقلاني معها وضع تصورات لمدياتها على ضوء محددات نجاحها ، التي غالبا ما تكون انعكاسا لمؤثرات موضوعية . فالاسقف التي تضبط ميكانزمات التفاؤل ، وتبقيه في حدود المعقول ، لا تقلل من اهمية الخطوات المفصلية ، بقدر ما تحول دون خروجها من دائرة الخيارات المدروسة . وفي المناطق ذات البؤر الملتهبة ، والقضايا المتشعبة ، والحدود المتحركة ، والازمات المتداخلة ، والتدخلات العابرة للقارات ، كما هو الحال في منطقتنا ، يزداد الحاح الحاجة لهذه الاسقف . الزيارة التي يقوم بها العاهل الاردني الى واشنطن تندرج في اطار هذه الخطوات ، الامر الذي يملي معاينة دقيقة لسياقاتها الزمنية ، وتراتبيتها في سلم الاحداث التي تمر بها المنطقة ، والمقدمات التي سبقتها . مثل هذه المعاينة لا تحتمها طبيعة الزيارة وحسب ، فهناك عوامل اخرى يصعب تجاهلها ، مثل ضرورات ترشيد القراءات السريعة التي تناولت سلسلة الترتيبات التي سبقتها ، والقضايا المدرجة على اجندتها . ففي اللحظة التي اعلن فيهاعن تلقي الملك عبدالله الثاني دعوة الرئيس الاميركي باراك اوباما لزيارة واشنطن اتجهت الانظار نحو الاثر الذي ستتركه القمة الاردنية ـ الاميركية على تفكير سيد البيت الابيض . ولم يبتعد المنشغلون بتحولات السياسية الاميركية عن جوهر الرغبة الاردنية في انعقاد القمة حين اخذت نظرتهم هذا المنحى . لكنهم تجاهلوا بشكل او بآخر البند الاكثر الحاحا على اجندة الزيارة الملكية لواشنطن ، وهو ما سيعود به العاهل الاردني من الولايات المتحدة ، ولقاءاته مع صناع القرار الاميركي . فالتأثير في تفكير السيد الجديد للبيت الابيض ، وحثه على اتخاذ خطوات عملية فيما يتعلق بعملية السلام ، لا يعفي اول زعيم عربي يزور واشنطن بعد وصول حامل شعارات التغيير الاميركي الى سدة الحكم من التعرف على اولويات الادارة الجديدة ، وطريقة تفكيرها تجاه قضايا المنطقة والعالم . منذ وصول اوباما الى البيت الابيض وجه اكثر من رسالة تطمينية للعرب ، تفيد في مجملها بجديته في ايجاد حل للقضية الفلسطينية على اساس خيار الدولتين ، وتركت هذه الرسائل ارتياحا عربيا عكرت صفوه الاجراءات الاسرائيلية على الارض ، والمتمثلة بسياسات مصادرة الاراضي ، والاستيطان ، والتهجير القسري ، ووصول حكومة نتنياهو للحكم . لكن الوعود لم تعد ترضي صانع القرار السياسي ، ورجل الشارع العربي ، على حد السواء ، لا سيما وان قضايا المنطقة لا تحتمل التأجيل ، ودوامة الزمن لم تتمكن بعد من محو تعهدات الرئيس الاميركي السابق جورج بوش الابن باقامة الدولة الفلسطينية عام 2005 من الذاكرة المثقلة بالتواريخ . ومثلما كان العراق على راس اجندة الادارة الاميركية السابقة ، تحتل افغانستان مكانة مشابهة في ذهن طاقم ادارة الرئيس اوباما حسب ما هو معلن ، وتتخطاها ازمة المفاعل النووي الايراني ، كما توحي المؤشرات التي يجري التقاطها بين الحين والاخر . كما تاخذ منظومة متغيرات السياسة الخارجية الاميركية ـ في ملامحها الاولية ـ منحى المتاهة غير واضحة الاتجاهات والمخارج وان كان يغلب عليها طابع الانفراجات السياسية . وكغيره من الخطابات التي تحاول الانزياح عن لغة المصالح بتبني مفردات اقرب الى القيم والمثل ، يضفي خطاب السياسة الخارجية الاميركية مزيدا الغموض ، على الطرق المتوقع ان يتبعها الرئيس اوباما وطاقمه في ادارة الازمات الدولية ، في الوقت الذي يحتل المدى الذي ستصل اليه الادارة الاميركية في ضغطها على حكومة بنيامين نتنياهو ، والملف النووي الايراني ، والملامح المقبلة للشرق الاوسط ابرز اهتمامات النظام الرسمي العربي . ورغم تباين تقييمات العواصم العربية وتوقعاتها للضغط المحتمل تلتقي جميعا عند انتظار الاجابات التي سياتي بها العاهل الاردني من البيت الابيض . حالة الترقب والانتظار الرسمي العربي ، التي لم تبدأ باجتماع وزراء الخارجية العرب في عمان ، وانعقاد قمة الدوحة من قبل ، وتظهر بوضوح اكبر في القمم الثنائية التي يعقدها القادة العرب ، تدلل على عمق الاثار التي ستتركها استخلاصات زيارة الملك عبدالله الثاني لواشنطن في طرق تفكير صناع القرار العرب . ومن شأن التصور المرتقب لآليات واولويات التفكير الاميركي ان يساهم في بلورة رؤية لطبيعة العلاقات البينية العربية خلال المرحلة المقبلة ، لا سيما وان النظرة العربية للعلاقة مع ايران ، وعملية السلام في المنطقة ، اهم عوامل الفرز في المشهد السياسي العربي . في المقابل لم يكن خافيا على قراء ذلك المشهد ان الجانبين الاسرائيلي والايراني ابرز المتضررين من المصالحات التي جرت في قمة الدوحة رغم هشاشتها ، و طابعها الشكلي ، وتحرك الحد الادني الذي جسده اجتماع وزراء الخارجية العرب في عمان . هوامش المناورة الاسرائيلية والايرانية ليست بعيدة عن حالة الانتظار التي تشهدها العواصم العربية. فالضغط الاميركي الذي سيترافق ـ في حال حدوثه ـ مع تضارب رؤيتي اوباما الذي لا يتوانى عن تاكيد تمسكه بحل الدولتين بمناسبة وبغير مناسبة ونتنياهو الذي يدفع باتجاه الحل الاقتصادي ، لا يعني فتح الابواب على مصاريعها امام تحريك عملية السلام . واول ما يمكن ان يقود اليه الضغط المترافق مع تضارب الرؤى قيام اسرائيل بمناورات للالتفاف على هذه الضغوطات . فلم يعدم نتنياهو بعد قدرة الضغط والتأثير في القرار الاميركي ، سواء كان ذلك من خلال اللعب على التناقضات والتباينات الداخلية الاميركية ، او اشعال حروب جديدة في المنطقة . وعلى الجانب الاخر لا يخلو الامر من احتمالات تصعيد ايرانية للضغط على الدول الست الكبرى في اية مفاوضات مقبلة ، لا سيما وان طهران اعتادت على اشعال بؤر التوتر في المنطقة ، كلما تفاقمت ازماتها المجتمع الدولي . عامل اخر يمكن اضافته للموازين التي ستحدد مسارات الاحداث خلال الفترة المقبلة وهو هشاشة الموقف العربي . ففي الاسابيع الماضية تعاملت بعض الاوساط مع الموقف الرسمي العربي باعتباره موحدا في دعمه للتحرك الملكي الاردني . الا ان هذه الفرضية التي بنيت على اساس قرارات قمة الدوحة واجتماع وزراء الخارجية العرب في عمان تنقصها الدقة . فالمؤشرات المتوفرة لا توحي بجدية بعض العواصم العربية في التعاطي مع المبادرة العربية التي حملها العاهل الاردني الى واشنطن بعد تأكيد قمة الدوحة على التمسك بما جاء فيها . بعض الاوساط الاسرائيلية التقطت احدى هذه الاشارات ، وتعاملت معها باعتبارها حقيقة يبنى عليها ، وليست مفارقة يمكن الالتفات اليها بنظرة تهكمية عابرة ، دون التوقف عندها . ففي حديثه لاحدى المحطات الفضائية الاميركية اكد السفير السوري في واشنطن عماد مصطفى تفضيل دمشق لليبرمان على شخص مثل وزيرة الخارجية الاسرائيلية السابقة تسيفي ليفني باعتباره الاكثر وضوحا ، وهذه المفارقة لم تكن الوحيدة ، فقد غاب وزير الخارجية السوري وليد المعلم عن اجتماع وزراء الخارجية العرب في عمان ، وبرر هذا الغياب بتزامن الاجتماع مع وجوده في طهران . ومن جانبها تبدي الدوحة ميلا للموقف السوري في محاولته اللعب على التوازنات مع ترجيح الكفة الايرانية كلما كان ذلك ممكنا . مثل هذه المؤشرات يمكن تأويلها بان ما اتفق القادة العرب عليه في قمة الدوحة اختلفوا حوله عند التنفيذ،وان ثقل الظلال الايرانية ما زال يعيق التحرك العربي ، رغم اسطوانة المصالحة . كما تعيد هذه المؤشرات التاكيد على حجم الهوة بين عواصم الاعتدال العربية ممثلة بعمان والقاهرة والرياض ، ومحور الممانعة الذي يحاول الاستقواء بطهران على شركاء العمل العربي المشترك . ولا شك في ان مثل هذه الامور لا تغيب عن صناع القرار الاميركي وهم يبلورون رؤيتهم رؤيتهم للتحرك المقبل في المنطقة . |