الرئيسية مقالات الرأي السلفية الماضوية بين الإتباع والإبداع

دراسات ميدانية





السلفية الماضوية بين الإتباع والإبداع PDF طباعة البريد الإلكترونى

كتب محمد الشماع
خاص الوارف ـ مقالات الرأي
يعانى الفكر العربى المعاصر أزمة طاحنة وذلك لعدم استيعابه لتيارات العصر ومستجداته ، وما هو موجود فى المجتمعات العربية من صراعات وتحولات يؤكد عدم مواءمة الفكر السلفى صاحب اليد الطولى فى هذه المجتمعات مع متطلبات التطور.

ويمثل انتشار الفكر السلفى عموما والاتجاهات المتعصبة والمتزمتة منه خاصة فى الفترة الراهنة ظاهرة تعبر عن أزمة حقيقية فى الفكر السائد بين الأغلبية الساحقة من المواطنين خاصة بعد فشل المشروع البرجوازى الوطنى خلال القرنين السابقين نتيجة لأسباب متعلقة بالبورجوازية العربية نفسها من حيث الأصل والمنشأ حيث نشأت من بطن كبار الملاك وقد كان يفترض ان يكون التناقض بين الطبقتين ( كبار الملاك والبورجوازية ) الجوهرى هو الأساس فى تكوين الفكر المناهض للفكر الاقطاعى أو فكر كبار الملاك ، ولأسباب أخرى تتعلق بالحقبة الاستعمارية ثم حقبة النفط أخيرا وتصدير التدين الصحراوى إلى مجتمعات عربية بعينها قطعت شوطا كبيرا فى محاولة الخروج من العصور الوسطى ، وللأسف هى الان تتعرض لانتكاسة نتيجة لهذا السبب الاخير ، والمأزق يأتى من أن الفكر السلفى يقوم على أساس الاتباع ونفى الإبداع ورفضه رفضا مطلقا .والاتباع يقوم إما على التقليد الحرفى لكل ما كان فى الماضى مما يعيدنا إلى نوع من التدين الشكلى يقوم على محاكاة السلف مع أن التطور المذهل وثورة العلم والتكنولوجيا وثورة المعلومات لاتدع مجالا للتشابه إطلاقا بين مشكلاتنا الان ، ومشكلات العصور الوسطى .والاتجاه السلفى لايقدم حلا بهذا الهروب من مواجهة العصر ومشكلاته ومواجهة تقدم القوى الكبرى فى الغرب ، بل هو يزيد الأزمة تعقيدا ويكرس التخلف بوضعه العربة أمام الحصان .أما اصحاب الاتجاه الاخر الذى يمثله القلة ممن يتبعون السلف فإنهم لايقومون بالتقليد الحرفى ولا يعملون على تطبيق الماضى بحذافيره على الحاضر ، بل يلجأون الى الاجتهاد ومحاولة تأويل النص حتى يتلاءم مع المشكلات المعاصرة ولا يضعون فى أذهانهم القفزة التى حدثت فى البنى الاجتماعية وما نتج عنها من قطيعة معرفية مع الفكر الماضوى .ويحاول السلفيون الادعاء بأن الاجتهاد منهج خاص بالمجتمعات الإسلامية ، ولكن الصحيح أن هذا المنهج خاص بالعصور الوسطى عموما وخاصة فى فترات الازدهار ، وقد كان سائدا أيضا قى اوروبا فى تلك العصور وذلك لأن الربط بين الدين والسلطة الدنيوية كان موجودا ايضا بها ولم يتم التخلص من ذلك إلا بانتهاء العصور الوسطى وفيما بعد عصر النهضة حيث تم رفض التقيد بالنصوص وصارت حرية الفكر هى الاساس والمطلق الوحيد .وجدير بالذكر أن الفكر الذى يصل إليه الانسان عبر الاجتهاد يضع فى حسبانه عدم مخالفة النص ، وبالتالي فان الاجتهاد محكوم بدائرة ضيقة هى دائرة النص وإمكانات التأويل ، وهذا معناه ان مايقوم به المجتهد إنما ينهض على أساس من قاعدة سابقة أو قول أو فعل تم فى عصر سابق يختلف فعليا عن العصر الذى نعيشه ، وبالتالى فإن المسافة البعيدة بين العصرين من حيث الزمن ودرجة التقدم الفكرى والعلمى والاجتماعى تجعل القياس مشوشا ومغلوطا ، بالاضافة إلى أن أى موقف لايقع تحت طائلة الاجتهاد يعد كفرا وضلالا ، وهذا هو الموقف من الإبداع الذى يراه المجتهد السلفى هدما للدين وتقويضا للعقيدة ، ولذا فانه يحاربه متضامنا مع السلفى المقلد الحرفى والنصى ويتهمه بابشع الاتهامات التى تلقى هوى لدى العامة وتؤثر فيهم وتجعلهم يتخذون مواقف ضد المبدع سواء كان فنانا اوعالما او مفكرا ، وهذا ماتؤكده الشواهد التاريخية بل والمعاصرة .واذا كان فكر المواطن العربى المعاصريقع تحت طائلة التسلط السلفى الاتباعى ، فانه اما يقع ضمن دائرة التقليد الأعمى للماضى او فى أحسن الاحوال يكون ضمن دائرة الاجتهاد ، والاسوأ من ذلك ان باب الاجتهاد قد قفل ، وبذلك ينحصر التفكير الاتباعى فى معظمه فى باب التقليد الحرفى والعودة الى عصور الانحطاط وتسلط الخرافات والتزمت والتعصب .واذا كان البقاء ضمن حدود النص سواء بالمعنى الحرفى او التأويل ظل عائقا امام النهوض والتقدم ، فان تدخل الدين والفكر الغيبى فيما يتعلق بالعلم والفلسفة وعدم السماح  بالتعارض مع هذا الفكراو تجاوزه من قبل القائمين عليه والمنتفعين من سيطرته ادى الى وضع الحواجز سواء من العرف او التقاليد او باسم الدين ضد اجتياز العقبات التى تقف أمام المنهج العلمى والذى لن ينهض إلا على الابداع .والابداع يخص جميع مجالات الفكر والعلم والفن والسلوك الاجتماعى ، وهو ينهض على غير مثال ، فلا سند له من ماض ولايتقيد بنص وانما هو اتيان بالجديد و ابتكار  واختراع يحطم كل الحواجز سواء كانت ذهنية اومادية ويخترق الحجب يخرج عن المألوف ويفتح باب التحديث .واذا كانت العصورالقديمة والوسيطة قد نهجت منهج الاتباع فان العصر الحديث وخاصة بعد الثورة الصناعية وحلول الرأسمالية قد نهض على اساس من الابداع والمنهج العلمى ، فدخول العصر الحديث والتخلص من العلاقات الريفية والرعوية واستخدام العلوم الحديثة والتكنولوجيا الحديثة لايكون الا بالمشاركة فى ابداع وسائل التقدم  والافكار المصاحبة لها .واذا كان العصر الحديث قد اتخم بالمذاهب والتيارات الفلسفية التى تعبر بدرجة او اخرى عن الافعال وردود الافعال تجاه هذا العصر فان المشكلة الاساسية لاتكمن فى اختيار هذا التيار او ذاك ، فكثيرا ماتكون ردود الافعال ارتدادا الى الماضى ونكوصا .. بل تكمن المشكلة فى الاختيار بين الابداع والاتباع ومدى تحقق ذلك فى المذهب اوالتيار الذى يبدعه او يتبناه هذا الفرد او تلك الجماعة من الافراد .واذا كان الابداع يأتى بالجديد وهذا الجديد يواجه القديم وسدنته والمستفيدين منه والذين يضعون العوائق امام الجديد ، ولذا فان الابداع لايكون الا مع الحرية ، فحرية الفكر هى المجال الذى يقدم فيه الابداع منجزاته ، وهو بمنجزاته يوسع دائرة الحرية ويجعلها ارحب واعمق .ولكى تكون هناك حرية فكر لابد من توافر المناخ الملائم لهذه الحرية ، وهذا لن يكون الا بسيادة الديمقراطية – الديمقراطية الحقيقية –لانها هى التى تقوم على اعطاء مسئولية القرار للمواطن دون حجر او قيد انما تنهض على اساس من تحرير العقل من كل اراء او نصوص مسبقة او خرافات واساطير ، والحرية تشمل جميع ميادين الفكر والعلم والفن والسلوك الاجتماعى .والديمقراطية وحرية الفكر والابداع جميعها لاتقوم فى مجتمع مرجعيته  سلفية باى حال ، ولابد من فصل الدين عن شئون الدنيا حتى يكون الابداع  ممكنا فى جميع شئون الحياة ، والا فان القيود الدينية والتسلط الاتباعى والحجر الذى يمارسه رجال الدين ، كل هذا لن ينتج الا مجتمعا متكلسا وجامدا وفكرا متحجرا لاحياة فيه واناسا فقدوا روح المبادرة والرغبة فى التغيير والتطور .واذا كان االمنهج العلمى هو المنهج الملائم للعصر الحديث وللدخول الى عالم الحداثة وكانت الديمقراطية والعلمانية من الركائز التى تهىء المناخ للتطور والتقدم فى المنهج والابداع ، وكانت العصور الوسطى تقوم على ايديولوجية ميتافيزيقية فى مجتمع لم يفصل بين الدين والدولة ، بل ان هذا الفصل لم يكن ممكنا الامع حلول الراسمالية ، فقد اتاحت اليمقراطية والعلمانية الفرصة للتقدم العلمى والصناعى كما رسخ هذا التقدم اسس الديمقراطية والعلمانية ، ولذا فان القول بان الشورى يمكن ان تكون المبدأ الذى يقوم مقام الديمقراطية انما هو قول لايضع فى جوهره حدود الشورى ومنشأها واستنادها الى الماضى فى مواجهة الابداع والحرية .

بناء على ماسبق فان القول بان الازمة يمكن حلها بالعودة الى الماضى سواء كان هذا الماضى يعنى به فترة الازدهار والتى ساد فيها الاجتهاد وهى فترة قصيرة جدا بالقياس الى فترات الانحطاط او كان الماضى الذى ساد فيه التقليد الحرفى والجمود وقفل باب الاجتهاد والذى تمثل فى عصور التدهور والتخلف وسيطرة الفكر المتحجر، ان القول بمثل هذه العودة ليس الا خرافة  يراد بها الهروب من حلبة الصراع والابقاءعلى بعض المزايا والمراكز الاجتماعية لبعض الفئات ، وتكريسا للتخلف والانحطاط وتدميرا للابداع واعاقة التقدم وقتل روح المبادرة .

 
 
© 2009 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الوارف للدراسات الإنسانية
الكتابات المنشورة على موقع الوارف خاصة بالمعهد، في حال الاقتباس أو النقل عن الموقع يرجى ذكر المصدر المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة توجّه المعهد، في حين تمثل وجهة نظر كاتبيها