 | كتب جهاد الرنتيسي خاص الوارف ـ السياسات الأميركية المنطقة على ابواب تحول ، قد تتجاوز دراماتيكيته الاحداث المفصلية الكبرى ، التي جرت على مدى ستة عقود، وتؤثر افرازاته على مسارات احداث عقود مقبلة، والحراك الذي تشهده عواصم اقليمية، واخرى مؤثرة في الوضع الاقليمي، يدلل على حجم مخاوف اطراف اللعبة السياسية من المتغيرات المرجح ان تكون جوهرية رغم عدم اتضاح معالمها. |
فالمؤشرات المتوفرة توحي بان مراكز صنع القرار في المنطقة باتت على قناعة باجتياز قطار التغيير الشرق اوسطي مرحلة "عض الاصابع " باتجاه محطات حسم الازمات المستعصية على الحل . ومع الاقتراب من محطات الحسم ، تنحسر قدرة مراكز صنع القرار في العواصم العربية على الاستمرار في اشاعة اجواء الغموض ، وشراء الوقت بالاوهام . مثل هذا الانحسار ، الذي غالبا ما يأتي متاخرا في منطقتنا العربية قياسا بحركة الاحداث ، يحد من تضارب المؤشرات ، ويوفر بعض الوضوح ، و ينعكس بشكل تلقائي على كيفية قراءة المشهد المقبل ، وبناء تصورات لمسارات حركة اطراف المعادلة السياسية . اول مؤشرات التحول وفرتها الصدمة الاميركية لوعي السياسيين العرب الذين راهنوا خلال فترة الانتخابات على التغيير الذي سيأتي به المرشح ـ الديمقراطي ـ باراك اوباما حينذاك . ففي المئة يوم الاولى من رئاسة اوباماعززت بعض الخطوات التي اتخذها اعتقاد السياسيين العرب بجدية الدور الاميركي في وضع القضية الفلسطينية على راس اولويات البيت الابيض . كما كانت الخطوات التي ترافقت مع تسارع الحمى الاسرائيلية لفرض واقع جديد على الارض كافية لتنشيط حركة النظام الرسمي العربي على امل التأثير في القرار الاميركي قبل ضياع فرصة حل الدولتين . وكرست قلة الخيارات العربية ، وانقسام النظام الرسمي العربي بين تيار اعتدال التقط في وقت مبكر اشارات تزايد الخطرين الايراني والاسرائيلي على عروبة المنطقة ، وتيار ممانعة وجد ملاذه في الحضن الايراني ، بعض القناعة بامكانية الخروج بمكاسب من محاولة التأثير على ادارة الرئيس باراك اوباما ، رغم اختلال موازين القوى على الصعيدين الاقليمي والدولي . الا ان هذه القراءة لم تعد ممكنة بعد اعلان واشنطن عن توجهها لفتح قنوات حوار مع طهران . فالقنوات المتوقعة للحوار لها نهايتها ، والنهايات المحتملة محدودة في مثل هذه الاوضاع ، لدرجة امكانية حصرها بين التوصل الى اتفاقات تتيح لايران بعض الدور الذي تبحث عنه في المنطقة مقابل التوصل الى حل حول الملف النووي ،و الفشل الذي يترتب عليه فرض عقوبات اقتصادية قاسية على الجانب الايراني . وفي كلا الاحتمالين ، لا يخلو الامر من فاتورة ، سيدفعها العرب ، الذين تحولت منطقتهم الى ساحة لتصفية الحسابات ، واستعراض القوة ، سواء كانت اقليمية او دولية . بناء على احتمالات نجاح الحوار الاميركي ـ الايراني او فشله تتحدد طبيعة الفواتير التي ستدفعها دول وشعوب المنطقة العربية . فالنجاح الذي يتيح دورا للايرانيين يترتب عليه تقديم الدول العربية تنازلات على حساب دورها الاقليمي المحدود اصلا . والفشل يعني من بين ما يعنيه استمرار الجانب الايراني في استخدام ادواته العربية بالشكل الذي يهدد شرعيات النظام الرسمي العربي . على ضوء هذين الاحتمالين وجدت عواصم الاعتدال العربي نفسها مطالبة بتحديد اولوياتها ، فقد بات الخطر الايراني موازيا للخطر الاسرائيلي ، ويكاد ان يفوقه حين يوضع في عين الاعتبار تغلغل نظام الملالي في اوساط القوى السياسية العربية ، وغياب الاجماع العربي حول طبيعة العلاقات التي يمكن بناءها مع ايران باعتبارها دولة جارة ومسلمة . مثل هذه النقلة تصل الى حد الانقلاب في معايير السياسة العربية واستراتيجياتها ، ففي بدايات زمن التغيير الاميركي كانت العواصم العربية تسعى الى التأثير في اولويات الادارة الاميركية ، وفي الاسبوع الاول بعد مرور مئة يوم على وصول اوباما الى البيت الابيض صارت مطالبة بتحديد اولويات المواجهة بين عدو قديم يسابق الوقت في مصادرة وتهويد ما تبقى من الضفة الغربية ، واخر غير تقليدي ، ينافس على تقليص هوامش دور العرب الاقليمي ، ويهدد شرعيات نظمهم السياسية . كما تنطوي هذه النقلة في احد جوانبها على مبررات لاعفاء الادارة الاميركية ـ بضعة اشهر على اقل تقدير ـ من القيام باية ضغوطات فعلية على الجانب الاسرائيلي لتحريك عملية السلام . فالبعد التطميني في زيارة وزير الدفاع الاميركي روبرت غيتس للمنطقة لا يخفي غياب الرؤية الاميركية حول ما يمكن الحصول عليه من الحوار مع الجانب الايراني . بعض المؤشرات التي انطوت عليها تصريحات غيتس خلال جولته التي شملت الرياض والقاهرة تقود الى قناعة برغبة واشنطن في التأثير على الانتخابات الرئاسية الايرانية من خلال فتح قنوات الحوار . وفسر بعض التصريحات التي ادلى بها الوزير الاميركي في المنطقة برغبة واشنطن في اتباع سياسة العصا والجزرة مع ايران بعد فشل سياستي التشدد والاسترضاء . حالة الارتياب العربي ، التي يفاقمها الغموض الاميركي ، تقابلها اجواء القلق على الجانب الايراني . فالعداء الذي راكمته ثورة الملالي قبل ثلاثة عقود ، وتحول الى قاسم مشترك لمعظم اجنحة الحكم ، وتشكلت على هوامشه تنويعات سياسية داخل الاجنحة يصعب القفز عنه بمجرد الانفتاح الاميركي على الحوار . كما يصعب على نظام الملالي القيام بمغامرة التخلي عن المشروع النووي الذي تحول الى مادة خطاب تعبوي تستخدمه اجنحة الحكم الايرانية للمزايدة . ولم يتضح بعد المدى الذي يمكن ان يصل اليه الجانب الاميركي في تنازلاته المحتملة لنظام الملالي . خطاب نظام الملالي الذي ترافق مع زيارة غيتس للمنطقة عكس بشكل او بآخر حالة الارتباك الايراني .
فقد حرص الرئيس احمدي نجاد على اظهار التطور الذي طرأ على الموقف الاميركي باعتباره انتصارا لطهران ، الامر الذي يعني بدء تهيئة الشارع الايراني ، والحليف السوري الذي اطلقت تصريحات نجاد من اراضيه ، والتوابع الفلسطينية للخطوة المقبلة ، دون خسارة هذه المنظومة من العلاقات كاداة يمكن استخدامها في الضغط على الولايات المتحدة . زيارة نجاد الى دمشق لم تخل ايضا من جانب استعراضي حيث حرصت طهران على توجيه رسالة الى واشنطن تفيد بامتلاك الجانب الايراني هامشا للمناورة لدى فتح قنوات الحوار . وامام اللغة التي استخدمها نجاد لم يجد حلفاء الملالي وتوابعهم سوى القيام بدور " الكومبارس " في الاستعراض الايراني . مع وصول المعتدلين العرب الى هذه المرحلة من الارتياب ، وايغال الممانعين في حالة التبعية والانكشاف ، وبلوغ نظام الملالي هذا الحد من الارتباك ، حقق الجانب الاسرائيلي نجاحا في وضع الملف الايراني على راس اولويات الادارة الاميركية ، وازاحة القضية الفلسطينية الى المرتبة الثانية وربما الثالثة ـ بعد ملف طالبان والقاعدة ـ الامر الذي يمنحه قوة دفع جديدة لتأبيد الامر الواقع في الاراضي الفلسطينية . قوة الدفع هذه تعززها اجواء انعقاد مؤتمر " الايباك " التي تخيم على زيارة نتنياهو المقبلة الى واشنطن . ومن شان هذه القوة ان توفر مناخات مثالية للعمل على محاور الحل السياسي التي حددها نتنياهو واركان حكومته ، و تتمثل في تحسين الاوضاع الاقتصادية للفلسطينيين ، مع اعطائهم حكما ذاتيا في الضفة الغربية ، وفرض الاعتراف الفلسطيني بالدولة اليهودية ، وعزل قطاع غزة لتكريس انفصاله . في مواجهة عملية التهميش الاسرائيلية لمشروع الدولة الفلسطينية ، وتراجع الاهتمام الاميركي اخذ الاداء السياسي العربي منحى صناعة التعاويذ التي توهم بالشفاء من العلل ولا تؤدي اليه . فقد وضع النظام الرسمي العربي شروطا على استئناف المفاوضات ، ولا تخلو هذه الخطوة من احتجاج ، على التلكؤ الاميركي في الضغط على اسرائيل . الا انه في احد جوانبه يظهر العرب وكأنهم الطرف الرافض للمفاوضات ، والعقبة التي تعترض عملية السلام ، ويوفر على الجانب الاسرائيلي محاولات التهرب من العملية السلمية . في ذات الاطار يندرج التوجه الى محكمة العدل الدولية مما يعني اعفاء الادارة الاميركية ـ ولو جزئيا ـ من استحقاقات الضغط على الجانب الاسرائيلي لوقف الاستيطان ومصادرة الاراضي . والدخول الى عالم التعاويذ لا يعبر عن ضيق الافق العربي في معالجة القضايا المستعصية بقدر ما يركز الاضواء على ضيق الخيارات وبؤس التوازنات الدولية التي تحكم المشهد الاقليمي .
|