الرئيسية السياسات الأميركية دروس من التجربة الدستورية الأميركية

دراسات ميدانية





دروس من التجربة الدستورية الأميركية PDF طباعة البريد الإلكترونى

 


إضاءات على ندوة المحامي إلياس عون ـ عضو مجلس الوارف الاستشاري
مركز الحوار العربي ـ واشنطن ـ 25ـ 2-2009
يقول عون: إن الخطوة الأولى لبناء دولة حديثة هو السعي لتأسيس جمهورية حقيقية، ومن ثمّ مصالحة الإنسان مع الإنسان ضمن المساواة في الحقوق والواجبات، ومصالحة الشعب مع الوطن ضمن احترام الدولة للحقوق وعدم تخطّي الحدود الموضوعة لها.

1- التمييز بين الجمهورية والديمقراطية:
الخطوة الأولى لبناء دولة حديثة هو السعي لتأسيس جمهورية حقيقية، ومن ثمّ مصالحة الإنسان مع الإنسان ضمن المساواة في الحقوق والواجبات، ومصالحة الشعب مع الوطن ضمن احترام الدولة للحقوق وعدم تخطّي الحدود الموضوعة لها.
ليس هناك من وجود لكلمة "ديمقراطية" في الدستور الأميركي، والآباء المؤسّسون بنوا جمهورية، وليس ديمقراطية.
ضمن منهج ديمقراطي بحْت، ستعتقد الأكثرية بأنّ لها الحق أن تقوم بأي شيء قانوني أو غير قانوني، دستوري أو غير دستوري، أخلاقي أو غير أخلاقي، وهذا المنهج سيضع أي بلد في حالة تدهور. أمّا ضمن حكم جمهوري حقيقي، فإنّ تصويت الأكثرية مقيّد بمبادئ أخلاقية ودستورية تحفظ حقوق كل إنسان وتمنع التعدّي عليه.
المطلوب اليوم هو التوعية الشعبية للتمييز بين الديمقراطية والجمهورية، بين الحكم الأكثري والحقوق التي لا يجب اغتصابها مهما كان حجم الأكثرية.

2- التمييز بين صحافة حرّة وصحافة بفكر حرّ:
للصحافة دور فعّال، إن شاءت أن تلعبه، في المحافظة على نظام جمهوري حقيقي.
الصحافة الحرّة في نظام ديمقراطي تستطيع أن تقول أو تكتب ما تشاء، ولكن ضمن الحدود التي وُضعت لها.
الصحافة الحرّة التي نعرفها اليوم هي حرّة إلى حدّ عدم المساس بما يُعتبر محرّماً، حتى وإن كان فضحُ ما هو محرّم يساهم في الحلول التي تواجهها الشعوب.
أمّا في جمهورية حقيقية، فالصحافة هي صحافة بفكر حرّ. تستطيع أن تكتب ما تشاء، بموضوعية طبعاً، دون أي قيود مسبقة. الهدف الأساس هو تثقيف الشعب وليس تسليته.
إنْ كنّا نسعى حقّاً للمعرفة، فعلينا أن نتبع الحقيقة إلى حيث تأخذنا.
ويجب على الصحافة أن تلعب دوراً بنّاءً وإيجابياً لحماية مجتمعها بفضحها للأعذار التي تُستعمل أحياناً للتعدّي على هذا المجتمع.

3- التمييز بين الحماية والدفاع:
الآباء المؤسّسون للولايات المتحدة كانوا ضدّ وجود جيش نظامي لأنّهم كانوا يعتبرون أنّ الجيش المنظّم هو قوّة عسكرية قد تستعمل ضدّ شعبها، أو ضدّ أيّ شعب آخر.
وهذا هو الواقع الذي نراه اليوم. فالجيش الأميركي موجود في دول عديدة، وقد استعمل في حروب مختلفة آخرها الحرب على العراق. وما نراه من بناء جيش تحت سلطة الأمم المتحدة هو بادرة غير سليمة لمنهج السلام العالمي.
الدستور الأميركي يقول إنّ لكل فرد الصلاحية بالتسلّح.
هناك تساؤلات عند بعض العرب عن كيفيّة بناء دولة حديثة بوجود ميليشيات.
الجواب هو أن يخضع أعضاء هذه الميليشيات لمبدأ الجمهورية الدستورية، وحقوق الإنسان، والتقيّد بمبادئ معلنة – وخاصّةً مبدأ عدم التعدّي على المواطن وممتلكاته.
السلاح ليس المشكلة، بل المشكلة هي في كيفية استعماله.
السلاح يحمي الشعب عندما يكون السلاح مقيّداً بالمبادئ الدستورية والأخلاقية. السلاح يكون مصدر خطر عندما يتخطّى حامله هذه المبادئ ويتعدّى على الحرّيات العامّة، بغضّ النظر عمّن يستعمله.
عندما يتكلّم اللبنانيون مثلاً عن "استراتيجية دفاع عن لبنان"، فمن الأفضل التكلّم عن "استراتيجية لحماية لبنان".
كلمة دفاع هي مصطلح حرب أمّا الحماية فهي مصطلح سلمي.
هناك استراتيجية للحماية استعملت في فترات معيّنة، لكن من النادر أن نسمع أحد يتكلّم عنها.
السؤال هو: كيف تستطيع أن تمنع جيشاً غريباً من التعدّي على الوطن، أو أن تفرض عليه أن ينسحب من الوطن إن احتلّه، دون أن تدخل مع جنوده بحرب طويلة ودامية؟
هذه الإستراتيجية، إن طُبّقت، تستطيع أن تحمي الوطن في أحيان عديد

4- فصل الدين عن الدولة:
الإنسان هو من مكوّنات الدولة. إن أردنا فصل الدين عن الدولة، نكون نطالب بفصل الإنسان عن دينه، وهذا من المستحيلات.
المعنى الصحيح لفصل الدين عن الدولة هو منْع الدولة من فرض دين معيّن على شعبها، ومنع الدولة من حرمان الشعب من ممارسة طقوسه الدينية.
إنّ التحرّر الفكري على الصعيد الديني هو من أهمّ النقاط التي يجب أن تُطرح على صعيد الشرق الأوسط.
العطب الذي نراه في بعض المجتمعات العربية، أحد أسبابه هو تربية رجال الدين وتغذيتهم لمفهوم التبعية. فالتحرّر من هذه التبعية هو الخطوة الأولى في اتجاه بناء حضارة على أسس جمهورية دستورية. المثل على ذلك، هو أن حركة التصحيح البروتستانتية (
Protestant Reformation ) في أوروبا هي التي مهّدت للنهضة (Renaissance
).
عندما يصبح الإنجيل والقرآن والتوراة، وليس رجال الدين والمؤسسات الدينية، القدوة الروحية للمسيحيين والمسلمين واليهود في الشرق، عندها سنشهد تحرّراً فكرياً حقيقياً وتقدّماً على كافّة الأصعدة السياسية والاقتصادية، وغيرها.
إنْ كان الإنسان متديّناً، عندما يقوم بقراءة الإنجيل أو القرآن، فإنّ هذه القراءة الذاتية تشجّع عند القارئ التحليل والنقد المستقل.
عندما يكون مستقلاً في تفكيره الديني، فهذا يؤسّس الاستقلالية والإبداع في مجالات أخرى إن كانت فنية، تقنية، أو غيرها. وهذا من أساس أيّ تطوّر وبناء حضارات.
أمّا عندما يقوم الإنسان بتلقّي التعاليم الدينية من الكاهن أو الشيخ دون أي نقد أو تفكير، ودون أي إجتهاد فكري، فهذا يولّد في الإنسان روح التبعية.
هذا من أحد أسباب نمو الديكتاتوريات إجمالاً، وليس حصْراً، في بعض الدول الكاثوليكية والإسلامية، وليس عامّة في دول بروتستانتية.
فالكاثوليكية وبعض المجتمعات الإسلامية تشجّع التبعية للكاهن أو الشيخ. أمّا في أغلب المناطق البروتستانتية فهم يشجعون قراءة الإنجيل وبناء علاقة مباشرة مع الخالق دون أن يكون هناك صلة وصل بين الاثنين مثل رجل دين.
عندما يمرّن رجال الدين الشعب على التبعية لهم، فهم يسهّلون بذلك اتباعية الشعب لديكتاتوريات سياسية.
هناك منهج ديني، إن كان مسيحياً أو إسلامياً، يشجّع الفكر على التطوّر، وهناك منهج ديني آخر يكبّل الفكر. عندما نختار لأنفسنا أيَّ منهج نريد أن ننتمي إليه، عندها نقرّر أيضاً مصير مجتمعنا والوطن.

5- النظام المالي:
بالرغم من أنّ الدستور الأميركي يميّز بين الضرائب المباشرة والضرائب غير المباشرة(
Direct and indirect tax)، فهناك ضرائب مباشرة مفروضة على الشعب الأميركي بطريقة غير دستورية وغير شرعية.
إنّ الإنسان له حق العمل، ولا يجب أن يكون هناك ضريبة على ممارسة حق.
إنّ النظام المالي المتبّع حالياً مبني على منطق الربح، وهذا المنطق هو من أحد العوامل الأساسية التي تولّد الفساد. المطلوب هو نظام مالي مبني على استعمال الثروة الطبيعية في كل دولة لإفادة الشعب. المطلوب هو نظام مبني على الاستفادة من الكفاءات الشخصية عند كل إنسان لخدمة المجتمع.

6- التجربة العربية:
كان للعرب تجربة ناجحة دامت حوالي الثلاثمائة سنة ما قبل الاجتياحات الصليبية للمنطقة العربية.
في تلك الفترة، كان للعرب حضارة متقدّمة حيث كانوا في حالة أفضل بكثير من الشعوب الأوروبية.
رغم أنّ التجربة الأميركية الدستورية هي مفيدة لدول عديدة، هناك أيضاً تجربة عربية تفوقت بالنجاح.
من الضروري أن نعود إلى تلك الفترة من تاريخنا ونستلهم منها المبادئ التي أسست لهذا النجاح العربي، ونعيد نشر وتنفيذ المبادئ هذه.

7- حقيقة الصراع:
إن حقيقة الصراع اليوم ليست بكونه عربياً-إسرائيلياً، مسيحياً-إسلامياً، أو شرقياً-غربياً. حقيقة الصراع هي حرب من فئة متحكّمة ضدّ الإنسان – إن كان هذا الإنسان مسلماً، مسيحياً أو يهودياً، عربياً أو إسرائيلياً، شرقياً أو غربياً.
من الأهداف المبطنة لهذه الفئة التعدّي على الدستور وحقوق الإنسان في كل وطن، وتحطيم الطبقة الوسطى من الشعب.
إنّ الوعي على حقيقة هذه الأهداف، يحمّلنا مسؤولية أن نكون مبشّرين ومطالبين باحترام حقوق الإنسان والمحافظة على الطبقة الوسطى كشرط أساسي لكل عمل سياسي نقوم به.
بعض العرب يطالبون بحقوق الأقليات أو حقوق المرأة. لا ننكر أنّ هذه حقوقاً مهمة. لكن إصلاح الإساءة غير المقبول بها لا يكون بالمطالبة بحقوق فئات معينة فقط، ولكن المطالبة بحق الإنسان عموماً وأبناء المجتمع ككل.
إنّ الحوار الذي يهدف إلى نتيجة عملية، وتبادل الآراء، والأحاديث والمشاورات بين بعضنا البعض هي الحافز الأساس لتوطيد العلاقات البنّاءة ضمن المجتمع الواحد وللتغلّب على ما يتعرّض له هذا المجتمع.
الدستور لا يعطي حقوقاً، لكنّه يسمّي هذه الحقوق التي أعطانا إيّاها الخالق وليس الدستور.
الدستور لا يعطيني الحق بأن أتكلّم بحرّية. هذا الحقّ هو لي، وأنا أقرّر إن أردت أن أتكلّم أم لا. القانون ليس من يحكمني، لكن الضمير.
إنّ الوعي على مسؤولياتنا، والحفاظ على حق الإنسان وحرّيته هي الضمان لمجتمعنا.
الحلول للمشاكل العربية ليست في واشنطن أو العواصم الأوروبية. نكتشف الحلول عندما ننظر إلى داخلنا ونعمل ما يستوجب عمله لإعادة بناء حضارة عربية نفتخر بها وتفتخر بنا.
 

 
© 2009 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الوارف للدراسات الإنسانية
الكتابات المنشورة على موقع الوارف خاصة بالمعهد، في حال الاقتباس أو النقل عن الموقع يرجى ذكر المصدر المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة توجّه المعهد، في حين تمثل وجهة نظر كاتبيها