الرئيسية من المكتبة جورج طرابيشي وإشكاليات الديمقراطية

دراسات ميدانية





جورج طرابيشي وإشكاليات الديمقراطية PDF طباعة البريد الإلكترونى
الثلاثاء, 05 ماي/آيار 2009 04:32
كتب حسان جمالي
خاص الوارف ـ من المكتبة

في كتاب هرطقات للمفكر الكبير جورج طرابيشي يعيد الكاتب صياغة الاشكاليات حول اكثر القضايا المثيرة للجدل في الوطن العربي وهي الديمقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية وغيرها. يقول الكاتب في تقديمه للكتاب: »الهرطقة في المعجم اللاهوتي تقابلها البدعة في المعجم الاسلامي.

ولكن على ما يبدو ان الهرطقة في المعجم الاول لا تعني سوى الخروج عن العقيدة القويمة، فإن البدعة مشتقة في العربية من نفس المصدر الذي تشتق منه كلمة ابداع. فكأن لا مبدع الا ان ﻴكون مبتدعا، اي خارجا في محصلة الحساب على الاجماع والفكر الجماعي .«
الكتاب اذا له طابع "الهرطقة" او البدعة ( وكل بدعة في النار) ﺍﻟﺘﻲ لا تقدم اجوبة بقدر ما تثير اسئلة وتعيد صياغة الاشكاليات، ومنها اشكالية الديمقراطية: هل هي ثمرة مرهونة بصندوق الاقتراع ام هي ايضا ثقافة ومرهونة بالتالي بصندوق جمجمة الرأس؟
سأعرض هنا طرح الكاتب لاشكالية الديمقراطية وسأختار منها اشكالية الثمرة والبذرة، واشكالية مفتاح المفتاح واشكالية الصندوقين.
اشكالية الثمرة والبذرة:
هل الديمقراطية ثمرة يانعة برسم القطف او بذرة برسم الزرع؟ القول بأن الديمقراطية بذرة قبل ان تكون ثمرة معناه اﻨﻬﺍ تحتاج حتى تنمو وتنضج الى جهد، الى عمل، الى شغل في النفس وفي تربية المجتمع. وليس من الصعب ان ندرك ما الذنب الذي تقترفه الديمقراطية الخلاصية عندما تجعل من الديقمراطية، لا ثمرة يانعة برسم القطف فحسب بل انها ،للمعذبين في الارض، فاكهة ﺍلجنة. وهذا التطور يوحي بأن المجتمعات العربية ستستيقظ ذات يوم فجأة مع الديمقراطية لتجد نفسها وقد نفضت عنها داء التشرذم والتخلف وانتشلت نفسها من هوﺓ التخلف الحضاري وانتقلت الى مقدمة المجتمعات المتقدمة.
اشكالية مفتاح المفتاح:
قبل ان تكون الديمقراطية مفتاحا لجميع الابواب الاخرى، فإنها هي نفسها بحاجة الى مفتاح، او لعل بابها لا ينفتح الا بعد ان تكون جميع الابواب الاخرى قد فتحت- او بالتواقت معها على الاقل. هذا الفهم لا يلغي دورها كشرط من شروط الاقلاع ولكنه يلغي توظيفها كمفتاح سحري لتحقيق معجزة النقلة الفجائية من واقع التأخر الى مثال التقدم. ويجب هنا التوقف عند شرط الحامل ﺍلاجتماعي للديمقراطية.
ان الديمقراطية رغم الاصول اليونانية للإسم ولبعض آليات الممارسة، وهي من اختراع الحداثة والبرجوازية هي الحامل الطبيعي لها ومن هنا نفهم سر المأزق الديمقراطي في العالم العربي. فبراعم الديمقراطية عرفت تفتحا اول غداة الاستقلالات الوطنية العربية يوم كانت البرجوازية العربية، البرعمية هي الاخرى، لا تزال فاعلة تاريخيا. حفرت الثورات والانقلابات العسكرية القومية واليسارية، بضربة معول واحد قبر الديمقراطية والبرجوازية معا. وساهم المثقفون العرب في الجنازة بوصفهم للبرجوازية العربية الناشئة على انها خدعة، مقاولة، تابعة، متحدرة من صلب الاقطاع. وﻴؤكد الكاتب بأنه بدون هذه البرجوازية على علاتها ليس لعنقاء الديمقراطية ان تبعث من رمادها في المجتمعات العربية.
اشكالية الصندوقين:
الصندوقان هما صندوق الاقتراع وصندوق جمجمة الرأس فالديمقراطية هي ثقافة منظومة وقيم متضامنة. وفي مجتمع لم ينجز تحديثه المعنوي والفكري ولم يستكمل ثورته التعليمية (عدد الاميين العرب يتجاوز المئة مليون) فان الموضع الاول لتظاهر الديمقراطية، ليس في صناديق الاقتراع وحدها بل كذلك وربما اولا في الرؤوس.ولئن تكن الحرية الديمقراطية تنتهي لا محالة الى صندوق الاقتراع، فان الصندوق الاول الذي تنطلق منه وتختمر فيه ﻫو جمجمة الرأس. ان زيت الآلية الانتخابية للديمقراطية هو ثقافتها، وﻠﻨملك الجرأة على ان نعترف:
فلئن تكن الانظمة العربية القائمة تقيم العثرات امام الآلية الديمقراطية فإن المجتمعات العربية الراهنة تقيم العثرات امام الثقافية الديمقراطية.
الانظمة العربية لا تتحمل انتخاباً ﺤﺭﺍ، ولكن المجتعمات العربية لا تتحمل ﺭﺃﻴﺍ ﺤﺭﺍ!
ومجتمع يريد الديمقراطية في السياسة ولا يريدها في الفكر ولا على الأخص في الدين، ولا بطبيعة الحال في العلاقات الجنسية، هو مجتمع يستسهل الديمقراطية ويختزلها في آن معا وفي الاستسهال كما في الاختزال- ما قتل.

 

 
© 2009 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الوارف للدراسات الإنسانية
الكتابات المنشورة على موقع الوارف خاصة بالمعهد، في حال الاقتباس أو النقل عن الموقع يرجى ذكر المصدر المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة توجّه المعهد، في حين تمثل وجهة نظر كاتبيها