الرئيسية من المكتبة هرطقات 2:عن العلمانية كإشكالية إسلامية ـ إسلامية

دراسات ميدانية





هرطقات 2:عن العلمانية كإشكالية إسلامية ـ إسلامية PDF طباعة البريد الإلكترونى

 كتب حسان الجمالي
خاص الوارف ـ من المكتبة

كتبت في الماضي عن كتاب هرطقات للمفكر الكبير جورج طرابيشي وعرضت بإختصار ما جاء فيه عن اشكالات الديمقراطية وكونها ليست صندوق اقتراع فحسب وانما هي ثقافة منظومة وقيم متضامنة لا يمكن أخذ بعضها واستبعاد بعضها  الآخر.

أخيرا، وبعد طول انتظار، قرأت هرطقات 2 ، للكاتب نفسه عن العلمانية كإشكالية إسلامية- إسلامية. وابدأ القول بالاعتراف للكاتب بالسبق في طرح جديد فيه جرأة وصراحة ومحاكمة للذات نادرا ما نقرأ مثيلا لها في كتاب المفكرين العرب.
ذلك ان العلمانية، كما يشرح الكاتب، التي رأت النور في الغرب، وتحديدا الغرب المسيحي، أعطت لكثيرين من المفكرين العرب ( بما فيهم بعض العلمانيين مثل محمد عابد الجابري وبرهان غليون) حجة لرفضها على أساس انها جاءت جوابا على إشكال هو من افراز الغرب المسيحي، لكي تسمح بالتعايش بين الكاثوليك والبروتستانت، بعد صراع لاهوتي أخذ شكل حرب متوالية الحلقات دامت أكثر من مئة سنة. لذلك كان من السهل على برهان غليون القول بأن العلمانية هي "اشكالية مصطنعة ومنقولة عن الغرب". ومن الأسهل على الجابري ان يشرح بدوره ان العلمانية تعني فصل الكنيسة عن الدولة، والإسلام ليست فيه كنيسة لنفصله عن الدولة. وكلاهما ربطا "استيراد" العلمانية بحاجة الأقلية المسيحية (في المشرق) الى اعادة ترتيب علاقاتها بالاغلبية المسلمة.
 أما حسن حنفي فقد ذهب الى أبعد من ذلك بكثير بإتهامه مستوردي العلمانية أي نصارى الشرق، بالعمالة الحضارية للغرب مدعيا بأن العلمانيين كانوا حصرا من نصارى الشام الذين " لا ينتسبون الى الاسلام دينا ولا حضارة". المضحك في هذا هو أن أحد المذكورين في قائمته وهو ولي الدين يكن هو مسلم، ونسي أو تناسى قائمة أخرى من المفكرين المسلمين الذين لم يكونوا أقل علمانية من المفكرين النصارى. وهنا يقول جورج طرابيشي:
" بديهي أننا لا نماري في أن العلمانية في وجه من وجوهها يمكن أن تمثل مطلبا للأقليات بقدر ما يمكن أن تقدم لها ضمانة للمساواة التامة أمام القانون. ولكن ما نماري فيه بالمقابل هو أن تكون الاقليات المعنية في الدائرة العربية الإسلامية هي الاقليات المسيحية قصرا. ذلك أن العلمانية فلسفة وآلية لتسوية العلاقات لا بين الاديان المختلفة فحسب بل كذلك بين الطوائف المختلفة في الدين الواحد. والحال أن التعددية في الدائرة العربية الاسلامية ليست محض تعددية دينية واثنية، بل هي ايضا تعددية طائفية. فالإسلام العربي بواقعه الديمغرافي الحالي، يتألف من غالبية سنية بكل تأكيد، ولكن ايضا من اقليات شيعية ونصيرية وزيدية واسماعيلية ودرزية واباضية. ومن منظور هذه التعددية الطائفية الاسلامية فإن قضية العلمانية في العالم العربي ليست فقط قضية مسيحية- إسلامية بل هي ايضا وربما أساسا قضية إسلامية- إسلامية"
ويستطرد الكاتب قائلا:
" لعلنا نذهب الى أبعد من ذلك فنقول أن تركيز خصوم العلمانية على البعد الاقلوي المسيحي لإشكالية العلمانية في العالم العربي انما يخفي، مثله مثل كل منطوق به، مسكوتا عنه هو أعظم خطوره وفداحه بعد ويعني به بعدها الطائفي الاسلامي. وقد كان لا بد من انتظار كارثة الاحتلال الاميريكي للعراق حتى ينفجر هذا المسكوت عنه بكل القوة التي لا مناص من أن ينفجر بها المكبوت الذي طال كبته". ويعرض الكاتب بالتفصيل ما حدث من صراعات وحروب ومذابح  وتكفير متبادل بين المسلمين منذ صدر الاسلام وحتى يومنا هذا ( من الممتع قراءة ما ذكر في الكتاب حولها) ليخرج بنتيجة مهمة جدا تطرح على المفكرين العرب تحديا جديدا، بالاضافة الى التحدي الديمقراطي وهو اعادة اكتشاف وتطوير وتكييف العلمانية:
"فلئن قامت العلمانية في الغرب على أساس التحييد الديني للدولة فإن العلمانية في المجال العربي الاسلامي لا بد ان تقوم ايضا على التحييد الطائفي للدين نفسه. وذلك ما دام الدين وهنا الإسلام يتوزع لا الى طوائف متبانية فحسب بل ايضا وأساسا متعادية متكارهة يقوم كيانها على  الضدية المتبادلة وتعتمد في التعامل فيما  بينهما معجم التكفير والتنجيس.."
وفي النهاية، وهنا بيت القصيد يطرح المفكر فكرة ضرورة علمنة المجتمع من جهة، وضرورة علمنة الدين من جهة اخرى، والإسلام هو أحوج الأديان اليوم الى  الفصل فيه بين الزمني والروحي. فأصل الانقسام الطائفي في الاسلام سياسي وليس دينيا. وقد كان مداره ولا يزال- على مسألتي الخلافة والإمامة.
وفي نهاية فصل "العلمانية" كإشكالية اسلامية- اسلامية" يصل الكاتب الى النتائج التلية:
- علمنة الدين هي وحدها التي تتيح للاهوت الإسلامي، بشقيه السني والشيعي، أن يتحرر من مقولتي الرفض والنصب، ولازمتيهما التكفير والتنجيس واسقاطها من قاموسهما والخروج بالتالي من فكي كماشة الحرب الطائفية التي ما زالت مستمرة بالافعال كما بالاقوال منذ اكثر من الف سنة بين كبريي طوائف الاسلام.
- فضلا عن إعادة البعد الروحي واعطائه مكانة (الصدر) ستتيح العلمنة الفرصة للإسلام كيما ينعتق من طوق التسييس والأدلجة الذي يكبله به اليوم دعاة الاسلام السياسي من خلال رفعهم وتطبيقيهم شعار إعادة الأسلمة التي تعني عمليا تحويل الاسلام من دين الى ايديولوجيا مناهضة للحداثة على حساب الاسلام الشعبي الذي لا يتعدى المارسة الشعائرية، حاله حال اية مؤسسة دينية اخرى في العالم. وهذا الاسلام الشعبي هو اليوم قيد اندثار وانحسار لصالح الإسلام المسيس والمؤدلج.
- ولئن كان الإسلام المسيس والمؤدلج يشن حربا شعواء غير مسبوقة على العلمانية ليس فقط لأنه يرفض مبدأ فصل الدين عن الدولة، بل لأن الفصل بين الروحي والزمني حتى على الصعيد الديني المحض، سيساعد الاسلام على فك نفسه من اسار التسيس والادلجة وعلى استرداد وضعيته الطبيعية كوجدان جمعي شبه فطري.
- لا بد في العالم العربي من ثورة في العقليات. ففي صندوق الرأس يمكن ان نشق الطريق الى الحداثة بركيزيتها: الديمقراطية والعقلانية. وهذا المسار قد يستغرق عشرات السنين في حال النجاح، وربما مئاتها في حال الفشل. ولكنه مسار لا مناص منه، وقد بات يفرض نفسه بمزيد من الالحاح في زمن الإرتداد العربي والاسلامي هذا الى قرون وسطى جديدة.

هرطقات2: عن العلمانية كإشكالية  إسلامية- إسلامية، دار الساقي، اصدارات رابطة العقلانيين العرب.

 
© 2009 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الوارف للدراسات الإنسانية
الكتابات المنشورة على موقع الوارف خاصة بالمعهد، في حال الاقتباس أو النقل عن الموقع يرجى ذكر المصدر المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة توجّه المعهد، في حين تمثل وجهة نظر كاتبيها