الرئيسية من المكتبة الإسلام الكردي في خدمة القبيلة

دراسات ميدانية





الإسلام الكردي في خدمة القبيلة PDF طباعة البريد الإلكترونى
قراءة  في كتاب الدكتور تهامي العبدولي
عرض زاكروس عثمان

في كتابه "الإسلام الكردي في خدمة القبيلة" الصادر عن رابطة العقلانيين العرب، طباعة دار الطليعة في بيروت، يقدم الدكتور تهامي العبدولي دراسة مهمة عن القومية الكردية في طرح جديد يمتاز بالجرأة العلمية والموضوعية.

بعكس الكتابات العربية الأخرى التي تناولت هذه المسألة بكثير من التشنج والحساسية ، الكتاب يتناول طبيعة العلاقة بين القومية الكردية وبين الدين الإسلامي ، وتحديدا موقف الأكراد من الإسلام في وقتنا الراهن ، ونظرا لأهمية الأفكار التي يطرحها الدكتور تهامي، فأننا بهدف توضيح بعض الأفكار وتدقيق بعض المعلومات نقدم مداخلة على نقاط وردت في الكتاب وهي : 

 أولا – بالنسبة لحديث الكاتب عن وجود تنظيمات الإسلام السياسي الكردية ذات الفاعلية في عموم كردستان ، وتجاوزها للهدف القومي لبناء دولة كردستان  إلى الدعوة لبناء دولة إسلامية كاملة ، فهذا يحتاج شيء من التوضيح ومعرفة أوسع بالمجتمع الكردي ، فالأكراد هم آخر شعب من  بين الشعوب الإسلامية من ظهرت لديهم  تنظيمات الإسلام السياسي وان هذه  التنظيمات حتى اليوم لم تظهر بين جميع الأكراد وهي اقل التنظيمات شعبية وأضعفها نفوذا ’ فمن بين 14 حزب كردي في سوريا لا يوجد حزب واحد يحمل صبغة إسلامية أو عشائرية ، و الأمر كذلك بين أكراد إيران رغم غلبة التيار الديني  كعقيدة رسمية في هذه الدولة ، أما بخصوص الظهور المتأخر لمثل هذه التنظيمات بين أكراد العراق وأكراد تركيا ، نقول أن الشعب الكردي ليس قلقا على إقامة شريعة الله في الأرض حتى يبادر إلى تشكيل الأحزاب التي تأخذ على عاتقها تأسيس دولة الله أو المهدي المنتظر، بل هو قلق أكثر على حقوقه القومية والإنسانية المسلوبة ، لذلك فأن الإسلام السياسي ليس ابن البيئة الكردية ،بل هو إيديولوجية وافدة تم تسريبها منهجيا إلى أكراد العراق بهدف خدمة أجندة القوى الإقليمية ، فالحكومة الإيرانية سعيا منها لتصدير ثورتها الإسلامية عملت على زرع تنظيمات إسلامية تابعة لها في مختلف دول المنطقة ، فكان من الطبيعي أن تخلق صحوة دينية مصطنعة في كردستان العراق تمهيدا لإنشاء تنظيمات إسلامية موالية لها على شاكلة حزب الله في لبنان ، خاصة أنها كانت في صراع مع النظام العراقي البائد ومن بعده مع الوجود الأمريكي ،وان كردستان العراق المجاورة لإيران تشكل أهمية إستراتيجية – جيوبولوتيكية بالنسبة لطهران ، ناهيك عن رغبة إيران في التحكم بتطورات الإحداث في كردستان العراق عن طريق هذه التنظيمات ، وهذا يفسر لماذا ظهرت الأحزاب الإسلامية بين أكراد العراق بعد انقلاب الخميني في إيران ، ولكن الذي حدث أن بعضا من هذه الأحزاب قد خرج من تحت عمامة ملالي طهران وخطت لنفسها نهجا إسلاميا قوميا كرديا ، وبالتالي اتخذت الإسلام سبيلا إلى نيل الحقوق الكردية ، ثم دخل تنظيم القاعدة باب المنافسة في الآونة الأخيرة وحاول إيجاد فرع كردي تابع له في كردستان العراق مثل جماعة الملا كريكار ، ولكن الأمر لم ينجح ، لأن المجتمع الكردي بعيد عن التزمت الديني وعن الأصولية والسلفية والتعصب والتطرف ، فلم يجد الإسلام السياسي المعتدل أو المتطرف حاضنة اجتماعية بين الأكراد حتى ينمو ويزدهر كما هو يزدهر في مجتمعات إسلامية أخرى ، أما بخصوص أكراد تركيا فقد وجدت الأحزاب الكردية العلمانية هناك أن الأحزاب التركية الإسلامية مثل رفاه ، السعادة ، وأخيرا حزب العدالة والتنمية الحاكم ، وجدت أن  هذه الأحزاب التركية تستغل العاطفة الدينية للشعب الكردي بهدف سرقة أصوات الناخبين الأكراد في الانتخابات البرلمانية والبلدية ، لذلك فكر بعض السياسيين الأكراد العلمانيين بإيجاد أحزاب كردية تحمل مسميات إسلامية بهدف قطع الطريق أمام حزب العدالة والتنمية الذي يحوز على أصوات كردية كثيرة لمجرد طرحه شعارات إسلامية ، فحتى حزب العمال الكردستاني pkk  ذي التوجهات الماركسية اوجد منظمة إسلامية تابعة له ، بهدف كسب المتدينين الأكراد إلى جانبه بدلا من انخراطهم في أحزاب تركية ، وبذلك نجد أن الإسلام السياسي الكردي لم يظهر ليحرص على تطبيق الشريعة الإسلامية بل ليضع الإسلام في خدمة نيل الحقوق القومية للشعب الكردي ، ولهذا فأن هذه التنظيمات وان حملت هوية إسلامية إلا أنها كردية قومية بالدرجة الأولى ، بدليل أنها لم تجنح إلى التطرف والعنف بل هي منفتحة ومعتدلة ، باستثناء جماعة الملا كريكار الإرهابية التي لا تعتبر تنظيم كردي بل خلية من خلايا تنظيمات القاعدة المنتشرة في العالم .       

  

ثانيا - يذكر الكتاب أن التدين الكردي يفتقر إلى التصوف الفلسفي ، ولكن المعروف تاريخيا أن كبار شيوخ الطرق الصوفية على مستوى العالم الإسلامي كانوا من الأكراد بدءا من عبد القادر الكيلاني مرورا بشعراء التصوف الفلسفي الكبار أمثال احمدي خاني وسيداي جزيري ، وفي الوقت الراهن هناك بيوتات لشيوخ الصوفية الأكراد ، وإذا كانوا لا يحظون بشعبية بين الأكراد أنفسهم إلا القلة المتدينة منهم فأن لهولاء زعامة روحية كبيرة و مريدون واتباع من كافة البلدان الإسلامية ،وإذا كان المجتمع الكردي غير متدينا فهذا لا يعني انعدام رجال وعلماء الدين أو انتفاء الطرق الصوفية وشيوخها الكبار ، أما السبب وراء عدم جعل الدين محور الحياة اليومية للكردي البسيط أو عدم انجراره وراء الصوفية أو دعوات الإسلام السياسي ،فهو فقدان الأكراد الثقة بالإسلام والمسلمين ،  ولهذا فان الصوفية الكردية تعيش عزلتها عن مجتمعها المحلي لأنها نأت بنفسها عن السياسة ولم تتبنى المطالب المشروعة للقومية الكردية ولأنها في صلح دائم مع السلطات الحاكمة للقومية الغالبة التي تضطهد الأكراد ،لقد تفرغت الصوفية الكردية للعبادة ، وإذا كان العبدولي يتحدث عن زعامات جمعت بين صفة مشيخة العشيرة ومشيخة الطريقة ولعبت ادوار سياسية ونالت ثقة عمياء في المجتمع الكردي ، فهذا لا يرجع إلى صفتها القبلية أو الدينية بل هي كسبت احترام المواطن الكردي لأنها اشتغلت بالسياسة وتبنت المطالب الكردية .


ثالثا - يذكر الكاتب انه يصعب الحديث عن  الفرق والنحل والمذاهب الإسلامية المنتشرة بين الأكراد  بالمعنى المعروف في التاريخ الإسلامي وذلك لان نسيج المجتمع الكردي قائم على أسس قبلية وان طغيان الحياة القبلية في المجتمع الكردي جعل انتشار الإسلام بين الأكراد مشروطا  بمدى خدمته للقبيلة ، هنا يبدو أن الدكتور تهامي اعتمد على معلومات  قديمة ، لأن المجتمع الكردي في اليوم هو  ليس المجتمع الذي كان بالأمس ، حيث تراجعت العصبية القبلية فلم تعد أكثر من رمز معنوي أو عاطفي ،إذ تكاد العشائرية تنقرض في المجتمع الكردي بسوريا و تركيا وهي في تراجع متسارع بين أكراد العراق وإيران ، و ليس هناك قيمة للرابطة القبلية أمام الرابطة القومية الطاغية في المجتمع الكردي ، فالإنسان الكردي لا يبني موقفه من الإسلام على ضوء مصلحة قبيلته بل يعطي الأولوية للهم القومي ، وهذا أمر طبيعي لان الاضطهاد الذي يعانيه الأكراد لا يكون بدافع عشائري أو ديني بل دافعه قومي والاضطهاد يقع على جميع الأكراد دون تمييز بين عشيرة وأخرى أو ديانة وأخرى ، والأكراد يدركون هذه الحقيقة ، وهذا ما سمح بتطور الوعي القومي – السياسي لديهم ليضعوا المصلحة القومية فوق أي اعتبار ، أن الأكراد لا يعطون أهمية للإسلام لأن مشكلتهم ليست دينية بل قومية وكذلك لأن الاضطهاد الذي يصيبهم يأتي من الإسلام والمسلمين ، وكثيرا ما يصبح الإسلام ذاته وسيلة بيد الحكومات والقوميات الغالبة بهدف إخضاع القومية الكردية لعمليات الصهر القومي وتذويب هويتها القومية في البوتقة الإسلامية ، فالإسلام يشكل عقبة  أمام تطور المسألة الكردية ، وهذا يعني تحويل الأكراد من قومية إلى طائفة دينية ليضيع الحق الكردي تماما ، ولان الأكراد يدركون هذه المخاطر فقد قرروا الابتعاد عن الإسلام لحماية هويتهم القومية ، حيث هناك اتجاه جديد بين المثقفين والشباب الأكراد لإحياء دينهم القومي القديم الزرادشتية ليس لدافع ديني بل لتأكيد تمايزهم القومي حتى على مستوى الديانة ، وهناك آخرون فكروا في إيجاد إسلامهم الكردي الخاص ، مثل الإسلام التركي والفارسي والعربي حيث يعمل الجميع على وضع الإسلام في خدمة مصالحهم القومية ،فلماذا لا يفعل الأكراد ذلك ، ونتيجة ظروف الاضطهاد القومي فأن النزعة العلمانية هي الطاغية في المجتمع الكردي ، الذي يمكن القول انه ليس متدينا وليس عشائريا ، بدليل أن الزعامات القبلية والدينية هي التي بادرت إلى تأسيس أولى التنظيمات السياسية الكردية على أساس علماني يساري قومي وليس على أساس ديني أو عشائري ، واليوم فان كل حزب من الأحزاب الكردية يضم بين صفوفه أعضاء من مختلف العشائر والأديان والمذاهب ، عمليا ليس هناك  حزب مخصص لقبيلة أو ديانة ، بل أحزاب علمانية تحولت من اليسار إلى الليبرالية والديمقراطية ،بعد إفلاس الإيديولوجية الماركسية – اللينينية التي كانت نافذة المفعول في المجتمع الكردي حتى بين رجال الدين حيث كان الكثيرون منهم شيوعيين ، فإذا كانت خارطة الأحزاب الكردية هكذا ، فهل تكون القبلية بهذه الحدة . لقد دخل الأكراد مرحلة جديدة مع بدأ المتغيرات الدولية التي تفاعلوا معها بشدة ، وكانوا جزءا منها، وشركاء فاعلين فيها ، مما أدت إلى تبدلات جوهرية في البنى السياسية والاجتماعية والدينية لدى عموم الأكراد ، ولهذا فان الاعتماد على معلومات قديمة لا تكفي لدراسة الواقع الكردي الراهن إذ يجب الحصول على معلومات جديدة تقدم الصورة الواقعية للمجتمع الكردي المعاصر ، حتى يمكن فهمه بالشكل الصحيح ، وهذا ما ينقص كتاب الدكتور تهامي رغم فرادة دراسته ، لان مصادر معلوماته  ناقصة وقديمة إلى حد ما لا تصلح للحقبة الراهنة بل تعود  إلى حقبة السبعينات من القرن المنصرم ، وكأنه سها عن التطورات التي حدثت وما زالت تحدث في المجتمع الكردي في جهات كردستان الأربعة ، وهذا لا يقلل من قيمة عمل الدكتور تهامي الذي يطرح ملف من ملفات المسألة الكردية في طرح جديد ، يحاكي التاريخ والواقع .    عنوان البريد الإلكترونى هذا محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تفعيل الجافا لتتمكن من رؤيته

 
© 2009 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الوارف للدراسات الإنسانية
الكتابات المنشورة على موقع الوارف خاصة بالمعهد، في حال الاقتباس أو النقل عن الموقع يرجى ذكر المصدر المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة توجّه المعهد، في حين تمثل وجهة نظر كاتبيها