الرئيسية تنمية مستدامة الإصلاح التعليمي أو .. الطوفان

دراسات ميدانية





الإصلاح التعليمي أو .. الطوفان PDF طباعة البريد الإلكترونى
كتب طارق حجي ـ عضو مجلس الوارف الاستشاري
خاص وارف التنمية المستدامة
أوركسترا المقالات والمحاضرات والحوارات والحكي لا تتوقف عن تكرار أن إصلاح التعليم في مجتمعنا هو لب الأمل وقضية القضايا وسفينة النجاة الوحيدة المتوفرة والتي يمكن أن تفصل بين واقعنا ومستقبلنا وبين التدهور والانحطاط  والانهيار والفوضى والسقوط كثمرة ناضجة وجاهزة في كف قوي الظلام المترقبة والمتوثبة.
بقدر ما تحتشد تلك المقالات والمحاضرات والحوارات وجلسات الحكي بالبكاء على التعليم الذى كان (في الماضي) والتنديد بنوعية وثمرة التعليم المعاصر (وأحيانا قليلة التطرق لبعض أسباب ما اعترى مؤسساستنا التعليمية فأضحت على ما هى عليه اليوم من فقر في الجودة وتواضع الثمار وبعد المسافة عن العصر وتجلياته ؛  بقدر افتقاد القارئ أو السامع أو المشاهد لتلك السيمفونيات الشكائية لمعرفة ما يطرحه الحزاني من تصورات ومعالم للبديل المنشود . وهذا ما أحاول في هذا المقال القيام ببعضه بشكل بالغ الإيجاز . وفي اعتقادي أن النظام التعليمي لدينا يحتاج أول ما يحتاج لما يسمي ببيان الرؤية ... والتى أعتقد أنها ينبغي أن تكون أقرب ما يمكن لما يلي : " تهدف المؤسسات التعليمية في مجتمعنا لتكوين أبناء وبنات مجتمع المستقبل بقيم العصر وبمؤهلات معرفية تجعلهم قادرين على المساهمات الفعالة والخلاقة والإيجابية في إحراز التقدم والسلام الاجتماعي وجودة نوعية الحياة على كافة المستويات . وأهم قيم العصر التى ينبغي على المؤسسات التعليمية غرسها في عقول وضمائر أبناء وبنات مجتمعنا هى : ( حب التعددية بشتى مظاهرها المادية والفكرية والعرقية والدينية والسياسية والثقافية بصفتها من أهم وأجمل حقائق الحياة وإحترام نتائج ذلك وأهمها الغيرية والسماحة الثقافية والدينية ... وترسيخ الإيمان بعالمية وإنسانية العلم والمعرفة ؛ واستئصال كل بذور التعصب ... وإحترام حقوق الإنسان والأقليات وإعلاء مكانة المرأة كنصف البشرية عددا ومعني وأدوارا ... وتقدير التقدم وأنسنته وغرس الإحترام العميق للعلم ... وتأسيس ثقافة الوجود المشترك بين كل البشر وحب الفنون بسائر صورها وأشكالها وتقديس الحياة الإنسانية وإحترام العمل).   وينبغي تكوين مجموعات عمل توجد فيها خبرات في سائر المجالات المتصلة من داخل وخارج رجال ونساء التعليم لترجمة تلك الرؤية لبرامج تعليمية ... كذلك ينبغي دراسة ومعالجة الأسباب التي تجعل جل المنخرطين في العملية التعليمية راغبين وراغبات في إكمال ذات الرحلة التى يتوخاها الكل : تعليم ابتدائي فإعدادي فثانوي فجامعي . فالمجتمع من جهة لا يحتاج كل أولئك الجامعيين ؛ وهو كذلك يحتاج بشدة لآخرين في عشرات المجالات غير الجامعيين .  أثناء زيارة حديثة للبلد الذي يعتقد خبراء التعليم أن به أفضل نظام تعليمي في العالم اليوم (فنلندا) وأثناء حوار  مع شخصية قيادية في مجال التعليم في العاصمة الفنلندية سمعت وجهة نظر تقول بأن المشكلة ليست في كون التعليم مجانيا أو بمصاريف ؛ فالتعليم في فنلندا من الحضانة للدكتوراه مجانا (بل ولغير أبناء فنلندا). ولكن المشكلة تكمن في فشل العديد من نظم التعليم في إغراء الكثير من أبناء وبنات المجتمع للتوجه للتعليم المهني لخدمة المجتمع خدمة شاملة متكاملة لا يقدر عليها الجامعيون وحدهم. في هذا الحوار قالت لي تلك الشخصية الأبرز في سياسات التعليم في هذا البلد الإسكندنافي بالغ التقدم والرقي أن أي مجتمع لا يمكن أن يحتاج لجامعيين أكثر من ربع عدد المنخرطين في العملية التعليمية أما الآخرون فيحتاجهم المجتمع كمهنيين مهرة في عشرات المجالات. وإذا تمكنت السياسة التعليمية من توجيه الربع أو الثلث (على الأكثر) للتعليم الجامعي والثلاثة أرباع أو الثلثين للتعليم المهني العصري والراقي فإن المجتمع لن يتلقي فقط مجمل المساهمات المطلوبة لتقدمه وإنما سيتمكن من توفير تعليم جامعي مجاني للمتفوقين والمتميزين ... أما الأغنياء غير المتميزين (كما هى العادة في معظم الأحوال) فتبقي دائما أمامهم بدائلا أخري هى همهم وليست هم المجتمع والدولة . ورغم أن الروشتة الواردة في هذا المقال تبدو بسيطة وسهلة وواضحة ؛ إلا أن تطبيقها ليس كذلك. فهى تحتاج لمجموعة كبيرة من المؤهلين لوضع أسس هذا التغيير الجذري ؛ كما أن هؤلاء ورو شتتهم سيحاربون من كهنة المعبد المعادين للتغيير لأسباب لا تحتاج لشرح. كذلك فإن هناك أصحاب مصالح هائلة تبقي مصالحهم محمية وتدر ما تدر طالما بقت الحال على ما هى عليه . ولا شك أن توفر الإرادة السياسية لإحداث هذا التغيير هو أمر حتمي . وفي إعتقادي أن الإرادة السياسية لإحداث هذا التغيير لضمان ركوب المجتمع سفينة النجاة الوحيدة متوفرة عند الرقائق الأعلى من الهرم السياسي في مجتمعنا ؛ ولكنها ليست متوفرة بنفس القدر والرؤية والوضوح على مستوي الرقائق الوسطي وما تحتها.
 
© 2009 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الوارف للدراسات الإنسانية
الكتابات المنشورة على موقع الوارف خاصة بالمعهد، في حال الاقتباس أو النقل عن الموقع يرجى ذكر المصدر المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة توجّه المعهد، في حين تمثل وجهة نظر كاتبيها