 | كتب محمد مليطان ـ هيئة تحرير الوارف ـ ليبيا خاص الوارف ـ تنمية مستدامة الجامعة هي المؤسسة المسؤولة عن حمل وولادة القدرات البشرية العالمة، باعتبارها المؤسسة الأكاديمية الحاضنة وذات الصلة بالعلم والمعرفة، المعتمدة مناهج علمية بانية لا تكتفي فقط باستذكار المنجز العلمي بل تساهم في التراكم المعرفي الإنساني عن طريق البحث العلمي الدؤوب في أروقتها، أو هكذا يفترض. |
هذه المسؤولية لا تستطيع أن تحملها مؤسسات جامعية محلية تعاني من الإنهاك والأمراض، وتعاني مشكلات صحية مزمنة ومعقدة ناجمة عن ركود علمي رهيب، وانغلاق على الذات وامتناع عن الانفتاح على المحيط بألوانه الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، بل الأدهى أنها باتت منغلقة في نفسها على نفسها..! فكل كلية من كلياتها، بل كل قسم من أقسامها، يواصل استخدام برامجه التقليدية دون الانفتاح على بقية الأقسام العلمية، فضلا عن تبادل المعرفة معها..
وبعيدا عن التعميم الذي قد يكون غير دقيق، سأتخذ منهج اللغة العربية للمتخصصين نموذجا لاستعراض بعض الأدواء التي تنهك الجسد الجامعي المتهالك علميا. إن منهج اللغة العربية للمتخصصين يعيش مشكلات متعددة تحولت إلى مشكلات متأزمة بفعل الركود العلمي الذي تعيشه مؤسساتنا الجامعية، فانطلاقا من أهداف دراسة اللغة العربية وتدريسها للمتخصصين لا يمكن الاهتداء إلى أهداف غير الهدفين الديني والقومي التقليديين البديهيين، والضبابيين أيضا، فلا وجود بشكل صريح وواضح لأهداف المقررات وغاياتها اللغوية، والثقافية، والاجتماعية، ما أثر على شكل ومضامين المقررات الدراسية..
المشكلة نفسها تتكرر على مستوى المقررات بسبب استنساخ المقرر من مؤسسة دينية هي (الأزهر) حيث استعار الآباء المؤسسون المنهج الأزهري عند تأسيسهم الجامعة الليبية، وهذا قبل أكثر من نصف قرن، ما جعل المنهج مطبوعا بالطابع الديني المتخذ من اللغة وسيلة و(آلة)، وهو ما أفرز تصنيف مادة كـ(النحو) في خانة (المواد المعقدة..!!) ورفع من أهمية شعارات (تبسيط النحو) باعتباره (من علوم الآلة) وهو ما يتناقض مع دراسة اللغة ومفهوم التخصص، كما أن محتوى أغلب المقررات يعد اجترارا ساذجا وسطحيا لما سبقت دراسته في المراحل التعليمية الأولى (الأساسي والثانوي)، وهو إعلان عن حالة فقر وعوز، لا تسمح بالاستفادة من التراكم المعرفي، كما تفقد هذه المقررات الرؤية الاستراتيجية للمعرفة الموصوفة بـ(العلمية)، وتفتقر إلى خصائص المنهج الجامعي، الذي من سماته التعلم الذاتي، والبحث، والتنقيب، فالمقرر لا يعدو أن يكون مجموعة من الملازم أو الكتب لا تدفع الطالب الجامعي إلا إلى استذكارها وحفظها والاعتماد على المعرفة السطحية دون أن يزود الطالب بمهارات البحث والقراءة، وملاحقة المعرفة ومواكبة مستجداتها، ودعم الفكر النقدي.. هذا بالإضافة إلى أن كثيرا من الأساتذة يعيشون حالة تيه علمي، ناجم عن عدم وضوح الرؤية المتعلقة بالأهداف العلمية، وعدم القدرة على استيعاب متطلبات المرحلة العلمية التي يفترض أن يعيشها، كما أن كثيرا من طلاب قسم اللغة العربية يعتقدون أن ما يدخل ضمن ما يطلق عليه (اللغة العربية) لا يخرج عن فروع المواد الدراسية التقليدية المجترة، وهو ما ينتج عنه صدا ورغبة عن التفاعل مع غير المعهود لديهم.
لا تعيش مناهج اللغة العربية تلك المشكلات الداخلية فقط، ولكنها تواجه إشكاليات خارجية دفعت بها إلى هذا الوضع المرضي المتأزم، وساهمت في تحوله إلى عدوى قد يصح وصفها بـ(الجامعية)، فعلى المستوى السياسي مثلا - وهو الإشكال الأهم بين الإشكاليات الخارجية– نجد ارتجال الأمانة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي (وزارة التعليم) وتسرعها في اتخاذ قرارات تتعلق بالمناهج وإعدادها، كما حدث في 2006 عندما استدعي رؤساء الأقسام بالكليات الجامعية لاجتماع عاجل في مدينة سبها وتم إبلاغهم بضرورة إعادة صياغة هيكلة نظام الدراسة الجامعي، وصياغة المناهج الجامعية في غضون يومين وتمت محاججة المدعوين بأن هذا القرار هو قرار سيادي....! ولا عجب حينها من أنهم استجابوا لهذه النزوة غير العلمية، في الوقت الذي يحمل كثير من هؤلاء الأساتذة، حسب المستندات الرسمية، صفة: أستاذ...! هذا بالإضافة إلى أن إيفاد الطلاب والباحثين (خاصة في العلوم الإنسانية) للبلدان العربية، التي تعيش شللا علميا، لغايات ومنافع لا علاقة لها بـ(العلمية) يعد معوقا أمام التنمية اللغوية والبحث اللغوي؛ ففاقد الشيء لا يعطيه.
هذه الحالة المَرَضِّة لواقع اللغة العربية للمتخصصين يمكن – وبكل ثقة – إسقاطها على أغلب الأقسام الموصوفة بـ(العلمية) في جامعاتنا التي تفتقد إلى المراجعات العلمية الدورية في المناهج والمقررات الدراسية خاصة المتعلقة بالعلوم الإنسانية، ولا تسمح بالرقابة العلمية عليها لتقويم برامجها ومناهجها وأبحاثها وتجهيزاتها من قبل مؤسسات مستقلة دولية، وتقدم بالتالي، وبسخاء، كل عام آلاف العاطلين عن العلم، فضلا عن العمل
|