الرئيسية تنمية مستدامة "مخزن ثقافي" أم سياسة ثقافية؟: في علاقة الدولة والثقافي بالمغرب

دراسات ميدانية





"مخزن ثقافي" أم سياسة ثقافية؟: في علاقة الدولة والثقافي بالمغرب PDF طباعة البريد الإلكترونى
السبت, 02 يناير/كانون ثان 2010 02:01
خاص من وارف المغرب
كتب محمد الحداوي(*)
يطرح السؤال حول" المخزن الثقافي" في المغرب الراهن أسئلة حول أصناف المخزن، وطبيعة حضور هذا النظام في كل تجليات الحياة الوطنية و المحلية المغربية.

فالسؤال عن المخزن الثقافي يفترض وجود مخزن سياسي ومخزن اقتصادي و مخزن ديني ومخزن علمي ومخزن رياضي ومخزن سينمائي أو مسرحي أو صحافي وغير ذلك من القطاعات التي تحسب أنها تؤنث المخزن كنظام جامع.
 ولا يتوقف السؤال هنا، بل يمتد إذا سلمنا بوجود مخزن ثقافي إلى طرح سؤال آخر حول علاقة الثقافي بالسلطة وتأثير هذه العلاقة على السلطة وعلى الثقافة معا.
يتطلب السؤال حول " المخزن الثقافي"، معالجة المراد بالمخزن وتجلياته ثم علاقته بالثقافي، ومدى إفراز هذه العلاقة لمخزن ثقافي محض.
 ما هو المخزن؟
 إن قراءة تاريخ المغرب منذ تكوين الدولة المغربية بطابعها المغربي الإسلامي وامتداداتها الترابية في القرن الحادي عشر الميلادي- وفي عهد المرابطين تحديدا- إلى اليوم يستنتج منه أن المخزن، الذي استقر على هذه التسمية على الأقل منذ عصر الموحدين في القرن الثاني عشر الميلادي، هو نسق ووظائف وادوار السلطة المراقبة والضابطة للمجال العمومي بالمغرب، كيفما كان حجم وشكل مراقبتها وضبطها لهذا المجال.
ويحيل المخزن بالتعريف على الإدارة التي تختص بمراقبة التراب المغربي وبتنظيم العلاقة بين الجماعات وبين الأفراد فوق هذا التراب، ابتداء من جمع الجبايات والشهادة على الزواج وتوثيق عملية بيع وشراء عقار أو محصول أو قطيع ماشية بين متعاملين أو أكثر، إلى الفصل في المنازعات بين الرعايا أفرادا أو جماعات، إلى توفير الأمن وحماية الحدود وإشهار الحرب وإبرام المعاهدات. كما يحيل المخزن بالتعريف على أشكال من السلطة بدءا من السلطان والحاشية باعتبارهم السلطة المركزية التي تعد سلطة فوق كل السلطات، مرورا بالعمال والقضاة، إلى أعوان القياد بالمداشر و الدواوير- وهي التجمعات السكنية الصغيرة وغير المنظمة بالبادية- في منطقة من المناطق.
 ويقوم المخزن- كما حلل ذلك الأستاذ عبد الله العروي في كتابه حول أصول الوطنية المغربية- على ركنين أساسيين هما الجيش والبيروقراطية. ومن يتأمل مسلسل الإصلاحات التي عرفها بالمغرب على الأقل خلال القرنين الماضيين يقف على هيمنة البعدين العسكري والبيروقراطي للإصلاح لتمكين هذا النظام من القوة ومن وسائل الاشتغال والاستمرار لأداء الأدوار المنتظرة منه والمألوف عادة القيام بها من طرفه.
 إن الركنين الأساسيين المشار اليهما هما عماد المخزن، وهما الأداة التي يتم بواسطتها حماية الحقوق و المصالح وتدبير الامتيازات وفق الأعراف الضوابط المخزنية، و فيهما يتم إحداث الوظائف والمناصب مركزيا ومحليا ويتم إدماج الأنصار والمحاسيب وتسوية التوافقات في إطار هذه الوظائف التي تمتد من الوزارات إلى السفارات و العمالات والأمانات والقيادات ورئاسات بعض الهيئات مركزيا أو محليا.
وللمخزن كسلطة هياكل تختلف درجة تركيبها باختلاف العصور، وتقوم هذه الهياكل على نظام من المناصب تتوزع على مستوى عمودي وسمته التراتبية، ومستوى أفقي وسمته الانتشار. وتقوم التراتبية على الهرمية بدءا من المنصب الأعلى الذي تتم ترجمته في وظيفة السلطان ثم الحاشية ممثلة في الصدر الأعظم والحاجب والوزير أو الوزراء ورجال المشور على المستوى المركزي. ويمثل العامل على المستوى الإقليمي أو القائد على المستوى المحلي هرم هذه السلطة التي تنتهي بالمقدم باعتباره صاحب الدور الأدنى في ممارسة المهام المنوطة بالمخزن. ويقوم الانتشار على توزيع الهياكل المحلية للمخزن حتى تشغل كل المجال الترابي الذي يعتبره هذا النظام ملكا له وذلك عبر الوظائف التي يجسدها النسق المخزني والأدوار الموكول له القيام بها والمتدرجة من المهام الرئيسية إلى المهام الدنيا، ومن الحقوق والمصالح المشتركة للجماعة إلى المصلحة الفردية أو الحق الشخصي لفرد في أسفل الهرم الاجتماعي.
يحيل المخزن على القوة والسلطة، وعلى احتكار وسائل الإكراه والردع والمراقبة وقدرة التدخل في كل المجالات. و يحيل التوظيف الراهن لمصطلح المخزن على نسق السلطة الذي حافظ على استمراريته وتمتعه بالقدرة على التكيف والاستدراك، بالرغم من التحولات التي طرأت على حياة الأمة المغربية. فقد كان المخزن هو المحرك الفعلي لمسلسل الإصلاحات وهو المتحكم الرئيسي فيها ليبقى هو النظام المراقب والضابط للمجال العمومي الذي يعتبره – أي المخزن- في عرفه ملكا له، ولذلك امتد حضوره من الممارسة اليومية للسلطة ومراقبة حركة الرعايا أفرادا وجماعات، سواء تعلق الأمر بالزراعة أو التجارة أو ممارسة الطقوس وغير ذلك من الأنشطة الاجتماعية، إلى أن أصبح مراقبا لأنشطة أخرى أدخلت بحكم انفتاح المجتمع المغربي على الحياة العصرية، سواء تعلق الأمر بالتعليم أو الصناعة أو الفلاحة أو الرياضة أو الثقافة أو أي قطاع من قطاعات الحياة الوطنية و المحلية.
وبموازاة ذلك كانت تتهيكل الدولة في اتجاه تركيب أكثر تعقيدا وتشابكا لدواليبها حتى تستوعب هياكل جديدة لادوار جديدة وفي مجالات جديدة. لقد أصبحت مؤسسات الدولة هي القصر الملكي والحكومة والبرلمان والمجلس الدستوري والإدارة العمومية والمحاكم والإدارة الترابية والدبلوماسية والمجلس العلمي الأعلى والمؤسسات الجامعية والجماعات المحلية والغرف المهنية ومجموعة من مؤسسات التسيير و المؤسسات المالية والإنتاجية.
 أصبحت هذه المرافق تراقب الحياة الوطنية، وتحتوي عينات من سائر الفئات الاجتماعية. وتــم إحداث الطرق و المساطر القانونية القمينة بإدماج الفعاليات ابتداء من النخب السياسية الوطنية والمحلية في الحكومة والدبلوماسية والبرلمان والجماعات إلى أصحاب الرساميل والمستثمرين والأطباء والمهندسين والإعلاميين والرياضيين والمخترعين والفنانين؛ مما قد يولد، وببساطة، الانطباع بوجود مخزن برلماني ومخزن حزبي أو نقابي ومخزن جماعي ومخزن تكنوقراطي ومخزن سينمائي أو سمعي بصري أو صحافي أو ثقافي وما إلى ذلك.
لقد تغيرت الهياكل التقليدية للمخزن من وزراء وإدارة ترابية وقضاء، فلم يعد العامل أو القائد من وجهاء الجهة أو القبيلة ممثلا محتكرا لحق تمثيل الجهة أو القبائل، كوحدات بشرية بالأساس-يرتبط معها بانتماء حقيقي أو مفترض- لدى المخزن و متصرفا في هذا الحق ليكون أحد أطره ويكون رافده الجهوي أو المحلي، بل أصبح العامل موظفا ساميا ممثلا للدولة على راس إقليم من الأقاليم ورئيسا للسلطة الإقليمية، والقائد موظفا إطارا ممثلا للدولة على رأس دائرة أو وحدة ترابية أقل منها تدعى القيادة، ورئيسا للسلطة المحلية. وما يصدق على هذه الأصناف من الإدارة الترابية يصدق على وظائف أخرى تمتد من الحكومة إلى السفارات إلى القضاء. 
وعلى الرغم من استمرار تعقيد أجهزة الدولة وتشابك مصالحها على مراحل، عاد توظيف المخزن كمصطلح أقل استفزازا في خطاب المعارضة المغربية خلال العقدين ونصف الأخيرين للدلالة على مختلف دوائر السلطة بالمغرب أفقيا وعموديا، بعد أن كانت المعارضة تستعمل قبل ذلك مصطلح النظام خاصة خلال سنوات 1960. ويحيل هذا التوظيف على مسلمة تعارض المخزن، كنسق ونظام وأدوار، مع نمط التدبير العصري للسلطة وحركيتها في المجال العمومي كما أفرزت ذلك التجارب الديمقراطية في الغرب الحديث والقائمة على مؤسسات مركزية ومحلية تتشكل عبر الاقتراع العام المباشر الذي يتساوى المواطنون في حق ممارسته، على رأس مدة زمنية محددة بالقانون أو قبل انصرامها، وتحترم فيه إرادة الأغلبية.
إن حضور الأنظمة القديمة و استمراريتها بموازاة أنظمة عصرية ليس خصوصية مغربية، ففي بريطانيا مثلا يعبر مجلس اللوردات، الذي يتمتع بتدخلات في المجالين التشريعي والقضائي، عن نظام سابق على عهد الملكية الدستورية. وما تزال الإدارة الترابية في فرنسا الجمهورية الخامسة محتفظة ببعض الوظائف التي تعود إلى ما قبل ثورة 1789. لكن الفرق هو أن حضور الأنماط التقليدية في مؤسسات وإدارات هذين البلدين لا يرهن القرار ولا يؤثر على السير اليومي للمؤسسات العصرية التي تمتلك بقوة القانون صلاحيات التشريع والتنفيذ وفـق مساطـر تحدد مجـالات تدخل كل طرف، كما لا يؤثر حضور تلك الأنماط التقليدية على الهوية الحقوقية للدولة، أي وجودها كدولة قانون قائمة على مبدأ الحق المجرد وعلى فصل السلط وتكاملها وتقنينها وفق ضوابط ملزمة للجميع.
لم يقدم السياسيون المغاربة الذين ترعرعوا في أحزاب المعارضة التقليدية تعريفا دقيقا للمخزن في أدبياتهم ولا تحديدا لمجالاته. فالكلمة تستعمل لديهم استعمالا غامضا و قدحيا في نفس الوقت. ووحدهم المؤرخون ومعهم بعض علماء الاجتماع والانتربولوجيا وقفوا على مدلول المخزن وطبيعة حضوره كنظام في التاريخ المغربي، لكن أغلب تحليلاتهم تختص بمراحل سابقة على التطورات التي عرفها المغرب منذ بداية عهد الحماية الفرنسية في 1912 إلى اليوم. وقليل منها عالج تطورات المخزن بعد الشروع في العمل بنظام الحماية الفرنسية، وبعد زوال الحماية رسميا في 2 مارس 1956. وكل هذه المساهمات، رغم جدتها وتجديدها لمقارباتها، لم تجد لها تجليات لدى الأحزاب السياسية المغربية بينما تعاملت معها الدوائر التقليدية للسلطة والقرار بكثير من الاهتمام مما جعل هذه الدوائر تجدد من تصورها وتغير من نظرتها للمجال، وتسعى إلى امتلاك ليس فقط أدوات تنظيم ومراقبة وضبط وردع متطورة بل ورصيدا ثقافيا وأدوات معرفة وتحليل أكثر تطورا وتنوعا.
لقد تعاملت الدوائر التقليدية للقرار بحس فكري وثقافي لتحليل وضعها واستشراف مستقبلها، مستثمرة جهود المؤرخين وعلماء السياسة والاجتماع والانتربولوجيا المغاربة والأجانب لا يعادله حس مماثل لدى الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والجمعيات مجتمعة. ويكشف عن ذلك واقع حضور هذا الحس في حياة النخب المغربية اليوم، إذ أن شرائح النخب الخارجة عن الأحزاب السياسية- وضمن هذه الشرائح فئات من اطر النظام الموجودة في مواقع ومناصب السلطة والتسيير- هي الأكثر أهلية وتأهيلا على المستوى المهني والمعرفي والثقافي ضمن النخب المغربية.
 وهذا الوضع يميط اللثام عن طاقة الاستيعاب في الدوائر التقليدية للقرار وقدرة على الاحتواء تمس فعاليات من بينها الفعاليات الفكرية والثقافية، وذلك بتوظيف الصلاحيات القانونية في إحداث أجهزة عمومية تقوم بهذا الاحتواء، الذي لا يشمل اطر من المحيط المؤسساتي والاجتماعي التقليدي للمخزن وحدها ولكن يشمل أيضا طاقات لا يشك احد في مدى تحررها من الروابط مع ذلك المحيط وفي مدى اندماجها في ثقافة وقيم العصر الكونية.
 سياسة ثقافية متعارف عليها: حدود الكوني والخصوصي؟
 وفي المجال الذي يهمنا، أي الحقل الفكري والثقافي تم إيجاد الإطار القانوني وتم إحداث الهياكل القانونية للتدخل في العملية الثقافية وإدماج المثقفين في مؤسسات أحدثت وفق المقاييس المتعارف عليها عالميا. لكن هل سلوك هذه المؤسسات والهياكل هو سلوك تابع للدوائر التقليدية للقرار ومرهون به؟
لا يمكن الشك في ذلك فالمخزن الذي ارتقى إلى دولة مركبة بالطريقة الحديثة، تتوفر على مستويات من الهياكل المتعارف عليها في الدولة الحديثة، أدخل المغرب في تركيبته الحكومية هيئة وزارية تختص بالحقل الثقافي على غرار الهيئات الوزارية الأخرى المهتمة بالتعليم أو الشأن الديني أو العدل أو المالية أو التجارة. وتتوزع دائرة اختصاصها من المسرح إلى الخزانات والربائد والمتاحف والمواقع والمعالم الأثرية، إلى تنظيم المهرجانات والمعارض والمسابقات، إلى تدبير العلاقة مع المتدخلين في الحفل الثقافي عبر جائزة المغرب للكتاب أو الجوائز المخصصة للمخطوطات والوثائق أو أي شكل من إشكال الدعم القار أو العابر، وعبر مرافق تدخل ضمن ممتلكات هذه الهيئة الوزارية تحتضن الإنتاج الثقافي وتمكن المبدعين والفنانين والمثقفين من تنظيم منتديات وعروض ومعارض.
 ويطرح عمل هذه الهيئة الوزارية منذ أن اشتملت عليها تركيبة الحكومة المغربية سؤالا حول هوية الجهات والأطراف المستفيدة من الخدمات التي تقدمها الدولة عبرها، هل هذه الفعاليات من صميم المخزن؟ وهل ثمة احتواء مخزني بالمعنى التقليدي  للكلمة لهذه الأنشطة ولأصحابها ؟
إن هذه النماذج لا تنفي استمرارية التقليد المخزني القديم في الحضور والاشتغال عبر مؤسساته الحديثة بأدواره الثقافية التقليديـة أحيانا، و هناك أمثلة تسعفنا في تصنيفها ضمن مجال المخزن المحض باعتبارها استمرار لتقليد قديم مثل الخزانة الحسنية أو مديرية الوثائق الملكية لدورهما في مواصلة تقليد جمع وصيانة المخطوطات والوثائق والمستندات التي تعتبـر ذاكرة السلاطين والسلطـة في المغرب. وهذا السلوك لا يقتصر على دوائر الحكم وإنما هو جانب رئيسي من سلوك عام وتقليد معمول به في المجتمع المغربي، وخاصة لدى الزوايا والأسر ذوات النفوذ حيث يتم تنظيم خزانات خاصة تحتوي على نفس المصنفات وسيكون هذا التقليد مصدر مؤسسات ثقافية خاصة مثل الخزانة الصبيحية بسلا أو مؤسسة علال الفاسي، أو مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد أو عبد الخالق الطريس،  وغيرهما من المؤسسات المماثلة التي ترتبط بأسماء أخرى.
 و رغم ذلك فان التدخل في الحقل الثقافي يخضع للمعايير العصرية من أجل توظيفه و استثماره سياسيا، لقد أحدث على سبيل المثال المغفور له الملك الراحل الحسن الثاني " أكاديمية المملكة المغربية" بإرادة شخصية وسن تقاليد التعيين في هذه المؤسسة، و طريقة الاشتغال بها، وعين أعضاءها من مختلف الحقول المعرفية ومن مختلف المسؤولين المغاربة، وأيضا عين أعضاء آخرين من جنسيات مختلفة منهم ادغار فور وهو رئيس وزراء فرنسي سابق، وهنري كيسنجر وهو كاتب دولة سابق في الخارجية الأمريكية، ونيل امسترونغ وهو رائد الفضاء الأمريكي الشهير الذي يعتبر أو من نزل سطح القمر، والحقوقي الفرنسي الشهير جورج فديل العضو السابق في المجلس الدستوري الفرنسي، واحمد عبد السلام العالم الباكستاني صاحب جائزة نوبل في الفيزياء سنة 1979، و الأمير أوطو دي هابسبورغ سليل العائلة الإمبراطورية التي حكمت النمسا... فأين هي حدود المخزن وأين هي امتداداته داخل هذا التوزيع؟ قد يرد على هذا السؤال بمبرر وجود هؤلاء الأعضاء الأجانب ضمن خريطة أصدقاء المخزن؛ لكن ما هي طبيعة هذه الصداقة و ما هو مداها وما هي أهدافها؟ وهل الصديق جزء من النظام؟
وحتى في توزيع الأعضاء المغاربة خلال مراحل تطور المؤسسة التي نحن بصددها هناك اختلاف فمنهم من هو إنتاج لمؤسسات المخزن التقليدية ويرتبط مسلسل حياته بتدخل هذه المؤسسات ودعمها له خلال مسيرته بدرجة أو بأخرى رغم ما يدعيه بعضهم أو يتظاهر به من استقلالية مزعومة عن الدوائر التقليدية للقرار ومنهم من يوجد خارج المنظومة المخزنية وخارج المنظومة الحزبية لا يدين بمؤهلاته المعرفية وفي تكوينه عبر مراحل حياته للمخزن ولا للأحزاب السياسية وإنما هو شخصية عصامية تكونت اعتمادا على إمكانياتها وتفكر خارج الثقافة التي تصنف تقليديا ضمن المجال الثقافي للمخزن. فلا يمكن وضع المؤرخ والمفكر عبد الله العروي في نفس الخانة مع عبد الهادي بوطالب أو محمد الكتاني أو عز الدين العراقي أو عبد الكريم غلاب أو عبد العزيز بن عبد الله، ولا محمد علال سيناصر المختص في فلسفة العلوم أو عالمة الاجتماع رحمة بورقية في نفس الخانة مع أبي بكر القادري، ولا العالم الرياضي إدريس خليل في نفس الخانة مع عبد الهادي التازي.
ويمكن الوقوف أيضا على جملة من الأمثلة في هذه المؤسسة منها مدى العلاقة العضوية لبعض أعضائها بمؤسسة المخزن التقليدي، فالحبيب المالكي أو عمر عزيمان هما من الناحية الاجتماعية أكثر إفرازا و ارتباطا بالتقليد والإرث المخزنيين من ادريس خليل أو محمد بن شريفة وأكثر وثوقا من حيث علاقتهما الأسرية بالمخزن كنفوذ تقليدي وكامتياز اجتماعي، لكن حركية الأولين في مجالات لا تدخل في خريطة الهيئات التقليدية كرست صورتيهما كإطارين خارج لعبة هذه الهيئات، بينما ظل حياد الثانيين يجعلهما قريبين من الدوائر التقليدية ليس بالانخراط في مواجهتها مع القوى الأخرى ولكن بسلوكهما الحياد وعدم التدخل من قريب أو بعيد في المواجهة والاكتفاء بانكبابهما على الاشتغال بالحقل المعرفي الذي يختصان به مما أهلهما للإدماج والاحتضان الذي يحتوي بعض الأطر والفعاليات ذات المؤهلات والكفاءة التي لا تدين بالولاء لحزب سياسي أو منظمة نقابية وما شابههما لأي سبب من الأسباب.
 إن حدود الإقتداء بنموذج أكاديمية المملكة في الحديث والبرهنة عن " مخزن ثقافي" هي نفس الحدود بالنسبة لمؤسسات أخرى حيث يلاحظ انشطار يصعب معه تصنيف المؤسسات الثقافية وفق الطريقة التقليدية، ويستعصي معه اعتبار هذه المؤسسات كمجال محتفظ به لا ينفتح على مجالات ثقافية أخرى، فلا " المعهد الملكي للثقافة الامازيغية" ولا " أكاديمية محمد السادس للغة العربية" مؤسستان من صميم مؤسسات المخزن التقليدية ولا المركز السينمائي المغربي أو المكتبة الوطنية أو مسرح محمد الخامس أيضا. و ما يصدق على هذه المؤسسات يصدق على المؤسسات الدستورية كغرفتي البرلمان والمجلس الدستوري والمجلس الأعلى للحسابات والجماعات المحلية وهيئات الناخبين الكبار. أضف إلى هذا أنه حتى قبل الحماية لم يكن المخزن يراقب كلية المؤسسات العلمية والثقافية، فلا المخزن المركزي كان سيد القرار في جامعتي القرويين بفاس أو ابن يوسف بمراكش، و لا المخزن المحلي كان سيد القرار في مراكز العلم والتعليم المحلية.
 في الحاجة إلى مؤسسات راعية: إدماج واحتضان أو مراقبة وتوظيف ؟
 إن تدخل الدولة في الحقل الثقافي ليس شأنا شاذا. فليست هناك حضارة لم تقم فيها الدولة برعاية الإنتاج الثقافي والفكري والعلمي واحتضان واحتواء الكفاءات في هذه المجالات، بل إن هذا التدخل من جانب الدولة كان فرصة لتمكين الحقل الثقافـي من وسائـل الاشتغال ومن ضمانات الاستمرار التي لا توفرها السوق.
 لقد تكيف القصر منذ ما يزيد على القرن ونصف القرن مع المتغيرات الإقليمية والدولية، وأصبح وراء الكثير من المبادرات التي رأى ويرى من مصلحته الإقدام عليها،  ومن ضمن ذلك المؤسسات الثقافية المشار إليها على غرار المؤسسات الدستورية المنصوص عليها في الدستور. وهذه المبادرات ليست استثناء في تجارب الأمم فالكوليج دو فرانس أحدث من طرف الملك فرانسوا الأول في النصف الأول من القرن السادس عشر، والأكاديمية الفرنسية أحدثت من طرف الكاردينال دو ريشوليو في عهد لويس الثالث عشر خلال النصف الأول من القرن السابع عشر. إن هاتين المؤسستين العرقيتين والشامختين في عالم المعرفة والفكر والثقافة بفرنسا اليوم يدين بها مسدس بلاد الغال الجمهوري للملوك الذين قطع الثوار رأس مملكتهم في عهد مجلس الوفاق.
 لقد أحدث الجنرال شارل دوغول خلال وصوله إلى سدة الحكم وزارة للثقافة بفرنسا، وهذا الحلم الذي راود الاشتراكي ليون بلوم خلال تشكيل حكومة الجبهة الشعبية سنة 1936 لم يتحقق إلا مع الجنرال الذي خشيت شريحة من الطبقة السياسية الفرنسية، وعن خطأ، قدومه إلى قمة الدولة فكان من نتائج إحداث هيأة دستورية مختصة بالشأن الثقافي وإسنادها إلى أندري مالرو الدفع باللوفر ودار الأوبرا وحتى البانتيون إلى قلب الحياة الوطنية الفرنسية وتحرير الفعل الثقافي من التهميش أو ارتهانه بثقل الحقل السياسي ونفوذ الأحزاب السياسية أو أي قوة من خارج مملكة المثقفين، رغم أن الثقافة أصبحت تدار كحقل من طرف مؤسسة حكومية.
 إن سؤال علاقة الثقافي والسلطة، ونمطه هنا علاقة المخزن بالثقافة وهل ثمة مخزن ثقافي يعيد طرح مدى استقلالية الحقل الثقافي. وسؤال الاستقلالية لا يرتبط بدوائر الحكم وحدها كما لا تشترط الاستقلالية ضرورة الوجود خارج المؤسسات، فإلى جانب التساؤل عن المخزن الثقافي هنا تساؤلات بنفس الحدة عن الحزبي الثقافي وعن النقابي الثقافي وأيضا عن الكهنوت الثقافي. والثابت تاريخيا أن تجاربنا الثقافية الرائدة لم تثمر ولم تبدع وتحقق ريادتها حتى خارج المغرب إلا بعيدا عن دوائر النفوذ الحكومي والحزبي.أكثر الإنتاجات الفكرية والثقافية المغربية جدة وتجديدا وإشعاعا هوجمت بضراوة من طرف السياسيين وصودرت من طرف دوائر القرار، ولنتأمل مصير كتاب" الإيديولوجية العربية المعاصرة" للأستاذ عبد الله العروي بعد صدوره في سنة 1967.
 لقد تغيرت اليوم في بداية القرن الحادي والعشرين جملة من الحقائق، ومنها حقائق النظام نفسه، والمثقف مدعو اليوم إلى تجديد المقاربات للوقوف على هذه الحقائق، كما هو مدعو إلى احترام الضوابط المنهجية للتخصص الذي هو مشتغل به، والى احترام قواعد وأخلاقيات المهنة الثقافية التي تركز على الإبداع والتجديد والحوار والانفتاح وإشاعة المعرفة واقتحام الكون واكتشاف الثقافات واقتحام فضاءات ومجالات جديدة وتلقيح الأفكار والثقافات وتهذيب الذوق وهلم جرا،  وهذا هو المعنى المحض للاستقلالية حتى ولو اندمج في المؤسسات، وهذه قاعدة كونية متعارف عليها. وليس هناك ضرر في الاندماج في المؤسسات إذا كانت توفر الوسائل والإمكانيات وتقدم الضمانات وتحترم قواعد العمل الثقافي العصري، وما دامت السوق المغربية لم تستوعب بعد العمل الثقافي كإنتاج استيعابا في مستوى تطلعات المثقفين وما دامت الثقافة لم تفرض نفسها كركن من أركان الحياة الوطنية بالاعتماد على نفسها، فثمة مرجعيات يستند إليها لتأكيد مدى الحاجة إلى تدخل الدولة في الحقل الثقافي وليس ثمة بد من الحاجة إلى تدخلها، بل إن من واجبها التدخل ومن حقها احتواء المثقف الذي تراه ويرى نفسه في ارتباط بها وبرسالتها.

 (*) أستاذ باحث من المغرب

 
© 2009 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الوارف للدراسات الإنسانية
الكتابات المنشورة على موقع الوارف خاصة بالمعهد، في حال الاقتباس أو النقل عن الموقع يرجى ذكر المصدر المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة توجّه المعهد، في حين تمثل وجهة نظر كاتبيها