الرئيسية تنمية مستدامة رهان التغيير في المجتمعات العربية (1)

دراسات ميدانية





رهان التغيير في المجتمعات العربية (1) PDF طباعة البريد الإلكترونى

كتبت سعاد عدنان
خاص وارف المغرب

أثبتت التجربة و الممارسة أن التغيير لا يأتي أو يفرض من أعلى لا يستورد و لا يشترى بل هو محلي الصنع ينبعث من أسفل مصدره القاعدة و الجذور. وإن كانت من عملة مشتركة يجب أن تتوحد حولها الشعوب العربية فهي من دون شك عملة التغيير...

، تغيير العقليات تغيير منظومات تفكير محدودة ساكنة و مستكينة  تغيير أنظمة ثقافية تلغي الفرد لا بل تزاوجه فيصبح الفرد فردين فردا "سائدا" يعيش أو يتظاهر انه يعيش في اتفاق و تناغم مع الجماعة و فردا "متنحيا" يعيش حياته الخاصة كيفما أمكنه ذلك في إطار الهامش الذي يتيحه الفرد السائد. ما السبيل إذن لإحداث التغيير و الخروج من حالة السيكزوفرينيا هذه التي يعاني منها المواطن "العربي" و الأنظمة العربية ؟ و كيف للتغيير أن ينبعث من القاعدة في هذه الحالة ؟
السؤال الذي يطرح نفسه في البداية متعلق بنوع التغيير الذي تحتاج إ ليه بلداننا العربية لتخرج من متاهة التخلف التي تتخبط فيها منذ زمن. ما يمكن أن يتبادر إلى الذهن لأول وهلة هو ضرورة تغيير الأنظمة الحاكمة و استبدالها بأخرى أقل ديكتاتورية  أقل ظلما و جورا و لكن كيف لهذه الأنظمة أن تتغير و هي نتاج لترسبات ثقافية تاريخية و دينية على مر عقود من الزمن إن لم تكن قرونا ؟ و إلى متى سنستمر في تعليق خيباتنا على مشجب أنظمة نحن وضعناها لا بل و أخذنا على عاتقنا مسؤولية استمراريتها ؟ و إن افترضنا جدلا أنه بإمكاننا تغيير هذه الأنظمة بضربة من عصا سحرية فهل لشعوبنا كما هي الآن أن تعيش تحت أنظمة ديمقراطية تحترم في ظلها الحريات الفردية و يتساوى أمامها الجميع كيفما كان أصله و جنسه و دينه و مستواه الاجتماعي ؟
تحيلنا هذه التساؤلات إلى بداية المقال و إلى فكرة أنه من الضروري حدوث التغيير على مستوى الفرد و القاعدة أولا لنستطيع الحديث عن تغيير الأنظمة لأنه حينئذ سيكون تغييرا حقيقيا نابعا من اختيارات مسؤولة وواعية.  سيكون مآلا بديهيا في سياق تسلسل طبيعي للأحداث. ويقصد هنا بالتغيير على مستوى القاعدة التغيير على مستوى المنظومات الثقافية السائدة التي تعلم الفرد منذ نعومة أظافره الإذعان و الامتثال دون طرح الأسئلة تعلمه اتباع القطيع و عدم مخالفة الجماعة تعلمه أن يكون سلطويا ديكتاتوريا أنما تسنى له أن يكون في موضع سلطة. تعلمه أن هناك نوعين من البشر نوعا كاملا اسمه الرجل و نوعا آخر ناقصا اسمه المرأة تعلمه أن الحديث عن الجنس حديث مبتذل يتنافى و الأخلاق تعلمه أن هناك حقيقة وحيدة مطلقة يمتلكها هو و ما دونها خطأ جسيم لا يجب استمراره.
 و إذا ما كان تقدم أوروبا يعزى بالأساس لثورة فرنسية و ثورة صناعية و غيرهما فتقدم العالم العربي رهين بثورة ثقافية على مفاهيم متآكلة و متقادمة ثورة تنبع من القاعدة بؤرتها كل بيت عربي و مدرسة عربية. فكيف لهذه الثورة أن تكون إذن في ظل شعوب و مجتمعات تتموقع في أدنى هرم "مسلو" للاحتياجات ؟ شعوب لازالت تتخبط لتوفير الأساسي من المتطلبات اليومية فلا تكاد تصل إلى تأمينها لتنتقل لمرحلة التفكير و طرح الأسئلة. وبالرجوع مرة أخرى إلى تاريخ المجتمعات المتقدمة فسنجده قد أثبت دور الطبقات المتوسطة في إنتاج التغيير لأنها استطاعت تحقيق احتياجاتها الأساسية فتسنى لها أن تعمل التفكير و تسأل و تنتقد  و لأنها لم تكن لتمتلك وسائل الإنتاج كي تدخل في دورة الإنتاج و الربح فيشغلها ذالك عن "التفكير". و لكن و إن تأكدت صحة هذا الطرح فنحن نلاحظ غياب طبقات متوسطة حقيقية في مجتمعاتنا العربية بالشكل الذي كانت توجد عليه في المجتمعات الغربية رغم أن هذا لا ينفي وجودها على كل حال.
فهنالك بالفعل طبقات متوسطة في طور الانبعاث طبقات تحمل بوادر التغيير لكنها غير ملتئمة لم تحدد بعد نسقها و هويتها. و حينما تتشكل في مجتمعنا العربي طبقة متوسطة واضحة المعالم يشعر أفرادها بهويتهم المشتركة فستكون قوة قادرة على القيام بالثورة الثقافية المطلوبة و كسر الحلقة المفرغة التي ما فتئنا داخلها. فبين قاعدة منشغلة بكسب قوت العيش اليومي و نخبة حاكمة ومحتكمة على ثروات البلاد همها الوحيد الحفاظ على سلطتها  ما من مخرج سوى تكتل شذرات طبقة متوسطة منبعثة لإنتاج أفكار التغيير و العمل على نشرها بين صفوف القاعدة. رهان التغيير في المجتمعات العربية مرتبط بطبقة متوسطة قادرة على تغيير قوالب جامدة ترفض أن تتسع لغير ما تحتويه. أمثلة على ظهور المعالم الأولى لهذه الطبقة في بعض بلداننا العربية أتمنى التطرق لها في مقال قادم.  

 
© 2009 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الوارف للدراسات الإنسانية
الكتابات المنشورة على موقع الوارف خاصة بالمعهد، في حال الاقتباس أو النقل عن الموقع يرجى ذكر المصدر المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة توجّه المعهد، في حين تمثل وجهة نظر كاتبيها