الرئيسية وارف الأدب والفن في الحب والحرب والهوية: الحاجة الأفلاطونية إلى الجمال بوصفه نظاما ـ ج1

دراسات ميدانية





في الحب والحرب والهوية: الحاجة الأفلاطونية إلى الجمال بوصفه نظاما ـ ج1 PDF طباعة البريد الإلكترونى
الثلاثاء, 05 ماي/آيار 2009 04:47

كتب عبد الرحيم الوالي ـ وارف المغرب

خاص الأدب والفن

يعود أصل هذا المقال إلى عرض جامعي قدمه الباحث المغربي عبد الرحيم الوالي، في يوم 01 دجنبر 2008، حول محاورة فيدروس (Le Phèdre) لأفلاطون، تحت إشراف فيلسوف الجماليات المعروف الدكتور موليم العروسي.

لم يكن سهلا أن أتحدث عن محاورة تتناول موضوع الجمال أمام فيلسوف جماليات. و لذلك أجهدت نفسي في قراءة أكبر عدد ممكن من المحاورات الأفلاطونية إضافة إلى مؤلفات أخرى. و بقدر ما كان الأمر متعباً كان ممتعاً و أفضى، من بين ما أفضى إليه، إلى هذا المقال الذي أضعه اليوم بين يدي القراء من حيث هو منطلق لأطروحة جامعية قادمة، أي أنه يمثل منطلقا للبحث لا خلاصةً له.
لم تنشأ الفلسفة كنظام، أي كنسق، إلا مع أفلاطون. و مهما بالغ بعض الناس في ادعاء منشأ آخر للفلسفة، فنحن لا نعرف حتى الآن نسقا فلسفيا سابقا على النسق الأفلاطوني. و بالتالي يطرح السؤال: هل من الممكن أن نقرأ النص الفلسفي الأفلاطوني بمعزل عن كل سياقاته التاريخية و الثقافية؟ أم لا بد أن نقرأه ـ عكس ذلك ـ ضمن هذه السياقات؟ و هل يمكن أن قرأ نصا أفلاطونيا بمعزل عن باقي نصوص أفلاطون؟ أم أن كل النصوص الأفلاطونية تشكل، في النهاية، أجزاء من النص الواحد الأكبر الذي أراد أفلاطون أن يكتبه؟ و كيف نفهم حاجة أفلاطون إلى بناء نظام ما للفلسفة؟ هل كانت هذه الحاجة حاجة موضوعية أم مجرد ترف فكري؟ و ما علاقة النظام، أو فكرة النظام، بالجمال و الحب و الحرب و الهوية؟ و ما علاقة كل هذا بفيلسوفين معاصرين هما مارتن هايدغر و جيل دولوز؟
لم ينشأ النص الأفلاطوني في جزيرة معزولة كان أفلاطون يختلي فيها للتأمل. بل إنه نشأ وسط المجتمع الأثيني بكل روافده الثقافية الكبرى من ميتولوجيا، و بقايا ديانات قديمة عرفتها بلاد اليونان، مثل الديانة الأورفية، و تعابير فنية متعددة من نحت و مسرح و موسيقى و غيرها. و بالنتيجة فالنص الأفلاطوني يتقاطع مع هذه الروافد الثقافية و التعابير الفنية و يتضمن، بالضرورة، مجموعة من التناصات مع نصوص أخرى و مع حمولات شفاهية مشتركة بين كاتب النص و قارئه المعاصر له.
فالمتلقي المعاصر لأفلاطون، و المشترك معه في سياقات عصره، كان دون أدنى شك يتلقى النص الأفلاطوني بشكل مختلف تماما عن الذي نتلقاه به نحن اليوم بعد ما يزيد عن خمسة و عشرين قرناً. إننا، ببساطة، أقل قدرة من المتلقي اليوناني القديم على سبر أغوار و خبايا النص الأفلاطوني. فنحن نقرأ النص، و مهما ادعى الواحد منا الإحاطة بتاريخ اليونان القديم و ثقافته، من خارج السياق الذي كان يجمع كاتب النص و قارئيه المعاصرين له. و بينما نظل نعتقد أن المحاورات تنتهي بدون حل للمشكلة المطروحة، أي بالإقرار بالجهل بدل المعرفة، كان المتلقي اليوناني المعاصر لأفلاطون يدرك "أفضل مما يمكننا أن ندرك، الإشارات المنبثة في المحاورات و لا يفوته فهم قيمة العناصر التي تبدو لنا في العادة غير أساسية. و هكذا كان يعلم أهمية الشخصيات الدرامية، الممثلين الرئيسيين للمحاورة. و كان يعرف كذلك، و من تلقاء نفسه، كيف يكتشف الحل السقراطي ـ أو الأفلاطوني ـ للمشاكل التي كانت المحاورة تتركها، في الظاهر، بغير حل". (1)
معنى هذا أن اقترابنا أكثر ما يمكن من مكونات و روافد السياق الثقافي العام في اليونان القديم، أو من بعضها على الأقل، يعزز حظوظنا في فهم أكثر عمقاً لنصوص المحاورات الأفلاطونية. بيد أن فهم السياق التاريخي و الاجتماعي الذي جاءت فيه المحاورات خصوصا، و الفلسفة الأفلاطونية عموماً، لا يقل أهمية عن ذلك. خاصة و أن كاتب المحاورات لم يكن منقطعا عن هذا الواقع و إنما كان متفاعلا معه و فاعلا فيه في كثير من المواقف، و عاشر عددا من الشخصيات الفاعلة في الأحداث الكبرى التي شهدها اليونان في القرن الخامس قبل الميلاد.
لقد كانت ولادة أفلاطون عام 427 ق م، أي أربع سنوات فقط على اندلاع الحرب البيلوبونيسية(La Guerre du Péloponnèse)  سنة 431 ق م. و سنتين فقط على اندلاع هذه الحرب بين أثينا و إسبارطة، أي سنة 429 ق م، حل بأثينا وباء الطاعون و كان عليها أن تفقد ثلث سكانها بسبب الوباء، مثلما كان على الأثينيين أن يظلوا محاصرين داخل مدينتهم بسبب الحرب مما أدى إلى تفاقم الخسائر. و لم تقف خسائر أثينا عند هذا الحد و إنما هي قد خسرت أيضا قائدها العسكري بيركليس الذي قضى نحبه بسبب الطاعون. و لم تنته الحرب عام 404 ق م إلا باستسلام أثينا بعد أن خسرت كذلك أسطولها البحري الذي دمره الأسطول الإسبارطي سنةً قبل ذلك، أي عام 405 ق م. و فرضت إسبارطة المنتصرة على أثينا المنهزمة التخلي عن نظامها الديموقراطي و أقامت بدلاً عنه نظاما استبدادياً تمثل في "مجلس الثلاثين" أو "الطغاة الثلاثين" كما يسمون عادة. و بعد مدة قصيرة لم تتعد سنة حسب بعض المصادر (أو بضع سنوات حسب مصادر أخرى) تمكنت أثينا من استعادة نظامها الديموقراطي.
كان الزمن إذن زمن انحدار أثينا نحو الهزيمة و فقدان استقلالها السياسي و نظامها الديموقراطي، و زمن انحدار اليونان برمتها نحو الحروب الداخلية و الانقسامات، و كان طبيعيا من ثمة أن يكون زمنا متوترا و قلقاً و أن تنجم عنه، بالضرورة، أسئلة لا تقل توترا و قلقا. فالأثينيون، الذين طالما اعتقدوا أنهم محميون بعناية آلهتهم، وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه أمام الهزيمة و الطاعون و الاستبداد، بينما بقيت آلهة أثينا تتفرج على مآسيهم دون أن تفعل أي شيء من أجلهم. إنها لحظة تاريخية أرغمت الأثينيين على مساءلة الآلهة و مراجعة القيم التي ظلوا يؤمنون بها و يعتقدون أنهم يعرفونها فإذا بهم يكتشفون أنهم لا يعرفون عنها شيئا. و قد مثلت الحركة السفسطائية التجسيد الأوضح لهذا الشك الذي أضحى يعتري الحياة العامة في أثينا و يرغم الأثينيين على السؤال كأداة وحيدة لإعادة اكتشاف الذات و العالم. لقد انهارت تحت وطأة الهزيمة القاسية تلك الثوابت الممثلة في آلهة أثينا و قيمها و لم تعد هناك حقائق ثابتة يتوحد حولها الأثينيون، بل صار على كل فرد أن يبني "حقيقته" أو "حقائقه" الخاصة. ف"الإنسان هو وحده مقياس كل شيء" كما يعلن ذلك بروتاجوراس.
كان هناك تحول شامل في المجتمع الأثيني حيث أن "التوجيه السياسي الجديد، و الانقلابات الاجتماعية التي تجاوزت النطاق التقليدي، و استلام الطبقة الشعبية زمام الحكم، كل ذلك كان ينثر الحيرة و الاضطراب في النفوس"(2). و لم يقتصر التحول في أثينا على المجال السياسي بل امتد إلى عمق المجال الاجتماعي حيث "كانت قواعد السلوك الموروثة قد انهارت أمام زحف الأخلاق المتسربة من الخارج"(3).
في هذا العصر الحافل بالأسئلة ولد أفلاطون و نشأ و أصبح شابا يافعاً. و في هذا العصر أيضا عاش سقراط كهلاً ثم شيخاً و كان من بين تلاميذه أريستوفانس، مؤلف الكوميديا، و كسينوفون المؤرخ، و ألسيبياد تلميذ بركليس و الذي هو أيضا القائد العسكري الذي انهزم أمام الإسبارطيين. و إلى هؤلاء جميعا ينضاف أفلاطون الذي لم يعاشر سقراط إلا في السنوات الثماني الأخيرة قبل إعدامه. وبعد إعدام سقراط يغادر أفلاطون أثينا و يذهب في رحلة من المهم التوقف عندها لأنها توفر عددا من المداخل المعرفية الممكنة إلى المحاورات، و إلى فلسفة أفلاطون برمتها. فقد "انطلق أفلاطون، أولا إلى مدينة ميغار، ثم تجشم مشقة أسفار طويلة إلى الشرق، و إلى مصر حيث أقام زمناً يقتبس من علوم مدينتها العريقة و من تقاليدها. ثم انتقل إلى إيطاليا الجنوبية حيث اطلع على النظريات الفيثاغورسية... و لم يرجع إلا سنة 387 إلى أثينا حيث أسس، في جنائن أكاديموس، مدرسة فلسفية أدارها حتى وفاته"(4).
رحلة أفلاطون إلى ميغار مكنته دون أدنى شك من الاطلاع على المذهب الميغاري. و قد كان هذا التيار الذي أسسه إقليدس و ديودوروس كرونوس يقول "بإسمية متطرفة. و مذهب الإسمية هذا يعني، بحسب هؤلاء المفكرين، أن كلمة واحدة (Logos) تلائم، وحدها، كل جوهر مفرد، بنوع يصبح معه من المستحيل علينا أن نقول شيئا آخر سوى ترديد تلك الكلمة. فلا وجود، إذن، إلا للشخصي، للمفرد، و لا قيمة لأية فكرة عامة. و هكذا دعم هؤلاء المفكرون أطروحة بروتاجوراس السفسطائي بقولهم: "ليست الأشياء جميعها إلا ما تبدو لكل فرد منا، لذلك لا يمكننا أن نقول عن أي شيء إنه يوجد وجوداً حقيقياً"(5).
و إلى جانب تعرفه على الحضارة المصرية القديمة أثناء إقامته في مصر فإقامة أفلاطون في إيطاليا الجنوبية ستمكنه من الاطلاع على المذهب الفيثاغورسي. و "كان الفيثاغورسيون قد ميزوا النفس من الجسد قبل سواهم من الفلاسفة، و كانت نظرياتهم، بالإضافة إلى العقائد الدينية الأورفية، تفسح مجالا رحباً للعلوم بوجه عام، و للرياضيات بوجه خاص"(6).
و علاوة على ذلك ف"المذهب الفيثاغورسي هو علمٌ و أخلاقية و دين في آن واحد، و هو يرتكز على أساس صوفية عددية يرى فيها فيثاغوراس و تلاميذه مبدأ الأشياء و جوهرها. ثم إن اعتقادهم بأن التناسق هو العنصر الذي يقوم به تركيبُ العالم قد انتقل على الصعيد العلمي من الهندسة و الموسيقى إلى الطب و الطبيعيات. أما من الناحية الأخلاقية، فقد كانوا يعتقدون بأن النفس، التي هي تناسق الجسد، تتميز تميزا صريحا من الجسد، لذلك كانوا يهتمون اهتماما بالغاً بالكمال الشخصي الذي يتطلب كبح جماح الجسد. و كانوا، من الناحية الدينية، يعزون إلى بعض الأعداد معنى روحيا: كعدد الثلاثة الذي يضم البدء، و الوسط، و النهاية، و عدد العشرة الذي هو مجموع الأعداد الأربعة الأولى، و عدد "الواحد" الذي يتضمن الضدين الأساسيين و هما المحدود، أي المفرد، و غير المحدود، أي المزدوج، اللذان يؤلفان، باقترانهما، جميع الأعداد الباقية، و من ثم العالم بأسره"(7).
لم تكن الميغارية و الفيثاغورسية وحدهما ضمن روافد الفكر الأفلاطوني بكل تأكيد. لكنْ، و بالاقتصار فقط على هذين المذهبين، سنلاحظ تأثير المذهب الفيثاغورسي بوضوح في نظرة أفلاطون إلى موضوع الروح. كما سنلمس التأثير المعاكس للميغارية باعتبارها ضربا من السفسطائية التي يتصدى لها أفلاطون من خلال شخصية سقراط كما يقدمها في المحاورات. و ذلك علماً أن سقراط أفلاطون يختلف بشكل كبير عن سقراط الذي قدمه تلميذه المؤرخ كسينوفون في "دفاع سقراط"، أو سقراط الذي قدمه تلميذه شاعر الكوميديا أريستوفانس في مسرحيته "السحب" (Les Nuées). فهو عند الأول سفسطائي يحاكم بتهمة عدم الإيمان بنفس الآلهة التي تؤمن بها الدولة، و هو عند الثاني أيضا مجرد سفسطائي من بين آخرين. لكنه عند أفلاطون وحده، الذي عاشره فقط ثمان سنوات، فيلسوف و ليس سفسطائيا و هو في محاورات أفلاطون "أكثر الناس حكمة". غير أن السؤال الذي لا بد من طرحه هو: هل كان سقراط فيثاغورسي المذهب فعلا حتى يردد رؤية الفيثاغورسيين إلى موضوع النفس في محاورة فيدون مثلا؟
لا يوجد دليل على أن سقراط كان له مذهب ديني غير المذهب السائد في أثينا. و نجده في "دفاع سقراط" لدى كسينوفون يصر على أن الناس كانوا يرونه في الأعياد يقدم القرابين لآلهة أثينا. و هو نفس ما يؤكده سقراط أيضا في "دفاع سقراط" عند أفلاطون و كذلك في محاورة فيدون. ذلك أن آخر الكلمات التي ينطقها سقراط، في فيدون، قبل أن يلفظ أنفاسه هي: "إنني يا أقريطون مدين بديك لأسكلبيوس فهل أنت ذاكر أن ترد هذا الدين؟"(8). و ليس أسكلبيوس إلا إله الطب عند اليونان. فلا سقراط كما عاش و لا سقراط كما قدمه أفلاطون كان فيثاغورسي المذهب بشكل صريح. لكن سقراط عند أفلاطون يردد أطروحات الفيثاغورسيين في أكثر من موضع. و بالنتيجة فسقراط كما يقدمه أفلاطون مغاير لسقراط الذي أعدمته أثينا. إنه سقراط الذي ابتدعه أفلاطون و أعدمه في نهاية الأمر، أي مثال الفيلسوف الذي وُجد فقط في المحاورات و أُعدمَ فيها جسده لتخلد روحه بعد صعودها في فيدون. إنه يقول لسمياس و سيبيس: "أما الفيلسوف، أو محب التعلم، الذي يبلغ حد النقاء عند ارتحاله، فهو وحده الذي يؤذن له أن يصل إلى الآلهة، و هذا هو السبب، أي سمياس و سيبيس، في امتناع رسل الفلسفة الحق عن شهوات الجسد جميعا، فهم يصبرون و يأبون أن يخضعوا أنفسهم لها"(9). فهنا يلتقي سقراط تماما، حتى و إن كان مؤمناً بأسكلبيوس و مصرا على الوفاء بدينه، مع ما سبق و أن رأيناه لدى الفيثاغورسيين من بحث عن الكمال عبر كبح جماح الشهوات الجسدية. و هو نفس التأثير الذي نجده عند أفلاطون أيضا في "الجمهورية" من حيث تمييزه بين ثلاث قوى في النفس: القوة الغضبية، و القوة الشهوانية، و القوة العاقلة. فالفيثاغورسيون كانوا نساكا (Des Ascètes). و كثيرة هي مظاهر النسك لدى سقراط في المحاورات الأفلاطونية.
لم يشر أفلاطون في رسائله إلى سقراط باعتباره أستاذا له و إنما باعتباره صديقا له. و هو يذكر في "الرسالة السابعة" السبب المباشر في إعدام سقراط، حيث كان حكام أثينا الجدد في زمن الاستبداد قد "أمروا سقراط، صديقي الشيخ، و الرجل الذي لا أتردد في إعلانه أعدل رجل في قرننا، بأن يذهب رفقة رجال آخرين لاعتقال مواطن تمت إدانته من طرفهم و تقديمه للإعدام. و قد كانوا بهذا يريدون أن يحولوه، طوعاً أو كرهاً، إلى مشارك في أفعالهم. لكن سقراط رفض أن يطيعهم و فضل أن يتعرض لمختلف أنواع الأخطار على أن ينضم إلى أفعالهم القذرة"(10).
إن سقراط، المواطن الأثيني، كان إذن مقربا من النظام الاستبدادي الذي أقامته إسبارطة الغازية في أثينا المنهزمة المحتلة. و لا نعلم بأي صفة كان يجوز للمستبدين أن يأمروه دون غيره باعتقال مواطن محكوم عليه بالإعدام. لكنْ، و في كل الأحوال، فحين عادت الديموقراطية و عاد المنفيون إلى أثينا كان طبيعيا أن يدفع سقراط ثمن هذا القرب من الاستبداد حتى و إن كان قد رفض التورط في قتل أحد الأثينيين. و هو ما يوضحه أيضا أفلاطون في "الرسالة السابعة" فيقول: "ينبغي الإقرار بأن أولئك الذين عادوا إلى أثينا أظهروا في الغالب كثيرا من الاعتدال. لكن، و بسبب قدَر جديد، قام رجال ذوو نفوذ آنذاك بتقديم سقراط، صديقي، أمام إحدى المحاكم بأكثر التهم شناعة و أكثرها غرابة عن طبعه. فبعض أعدائه أعلنوه كافرا و بعضهم الآخر قدمه للموت بعد إدانته و هو الذي كان قد رفض، حتى لا يقع في الخطيئة، أن يشارك في اعتقال واحد من أصدقائهم حينما كانوا هم أنفسهم يرزحون تحت مآسي النفي"(11).
سقراط، المواطن الأثيني، لم يعدم لأنه كان فيلسوفاً و إنما لأنه كان مقربا من الاستبداد. و لأنه كان صديقه الحميم فإن أفلاطون خلده في محاوراته عبر إطلاق اسمه على شخصية تجسد مثال الفيلسوف كما يتصوره أفلاطون. فسقراط بهذا المعنى هو الشخصية التي تمرر من خلالها آراء أفلاطون و تصوراته التي لم تنزل عليه وحياً من السماء و إنما استقاها من واقعه السياسي و الفكري و الثقافي و من المعارف التي اكتسبها عبر رحلته بعد أن غادر أثينا. فالفلسفة الأفلاطونية ليست فلسفة مثالية بمعنى انفصالها الكامل و النهائي عن الواقع، و إنما هي مثالية من حيث هي عملية بناء ل"مثل" ما في السياسة و القيم و الأخلاق و الميتافيزيقا، أي لتصورات يمكن بواسطتها الخروج من حالة التدهور التي وصلت إليها أثينا بشكل خاص و بلاد اليونان بشكل عام.
إن آخر الكلمات التي نطقها سقراط في فيدون قبل أن يموت لم ينطقها سقراط الذي أعدمته أثينا و إنما سقراط الذي أعدم في فيدون و في فيدون فقط، أي سقراط الذي يعدمه أفلاطون في ذهن كل قارئ جديد للمحاورة. و هو لا يعدمه إلا ليظل حيا في ذهن القارئ من خلال النتيجة التي يريدنا أفلاطون أن نظل حائرين أمامها: كيف لرجل يموت أن يؤدي قربانا إلى إله الطب و أن تكون آخر وصاياه الوفاء بهذا الدين؟ فهي نهاية تبدو غير واقعية تماما ما دمنا نبحث لها عن حل خارج السياق الذي عاش فيه أفلاطون و كان بالضرورة يتقصده من خلال محاوراته تصريحا و تلميحاً. لكن بعض هذه الحيرة ـ على الأقل ـ يتبدد عندما نعلم أن عائلة أرسطو، تلميذ أفلاطون، كانت تعبد أسكلبيوس بالضبط و كانت تتعاطى الطب(12)، و أن أرسطو بعد أن أنهى تعليمه لدى أفلاطون أصبح مربيا للإسكندر المقدوني الذي لم يوحد فقط بلاد اليونان و إنما أقام إمبراطورية امتدت إلى بلاد الرافدين، بل و نصب نفسه فرعونا على مصر بعد أن احتلها.
 لقد كان أفلاطون يحمل هم الخروج ببلاد اليونان من حالة الاضطراب و الفوضى و الشك إلى حالة من الاستقرار و الثبات و اليقين و هو يعبر بوضوح عن هذا الهم في الرسالة السابعة. و بذلك فالفلسفة الأفلاطونية كانت تبحث عن بدائل واقعية للمجتمع اليوناني عامة، و الأثيني بشكل خاص، في مجال السياسة و القيم و الأخلاق و المعتقدات. و البديل الشامل الوحيد الممكن حسب أفلاطون هو أن يحكم الفلاسفة أو أن يتحول الحكام إلى فلاسفة في ظل صيغة توفيقية بين الديموقراطية و الاستبداد، أي بين النقيضين الرئيسيين المتصارعين ميدانياً في عصره.
و مثلما كان ممكنا في ذهن أفلاطون التوفيق بين الديموقراطية و الاستبداد، فقد كان من الممكن أيضا التوفيق بين الفيلسوف و الحاكم من خلال جعل الأول مربيا للثاني. و مهما كانت الخلافات التي قد تكون حصلت بين الإسكندر المقدوني و أرسطو، فالمعلم كان بشكل أو بآخر حاكما من خلال تلميذه الإمبراطور، و أفلاطون كان ـ حيا و ميتا ـ حاكما بدوره من خلال تلميذه المربي الذي علمه في أكاديميته. فوصول الفيلسوف إلى تربية الإمبراطور يعتبر في حد ذاته إنجازا علاجيا كبيرا للأمراض التي كانت تفتك ببلاد اليونان في ذلك العصر. والأفلاطونية، من خلال المربي أرسطو، استطاعت أن تتسرب إلى أعلى مراتب الحكم في عهد الإسكندر. و كان ذلك انتصارا، في آخر الأمر، للفلسفة التي لم تكن تحتاج جيشا يقوده ألسبيبياد و لا بركليس، و لا أسطولا مثل الأسطول الأثيني الذي أغرقه الإسبارطيون، و إنما كانت فقط في حاجة إلى أكاديمية على مشارف أثينا، و تلميذ من عبدة أسكلبيوس، لكي تنتصر. فَدَيْنُ أسكلبيوس لم يكن في ذهن سقراط الذي أعدمته أثينا، و إنما كان في ذهن أفلاطون السياسي و هو يخطط لتمرير فلسفته إلى دوائر القرار السياسي من خلال تلميذ أرستقراطي كانت أسرته مقربة من الملك فيليبوس والد الإسكندر المقدوني، و تعبد أسكلبيوس، و تستمد نفوذها الاجتماعي من الطب المستمد من أسكلبيوس نفسه. و هو المعطى الذي لم يكن في كل الأحوال غائبا عن ذهن أفلاطون و هو يستقطب أبناء الطبقة اليونانية العليا إلى أكاديميته و من بينهم أرسطو.
فالفلسفة الأفلاطونية ليست فلسفة مثالية بالمعنى الذي يحولها إلى فلسفة حالمة منفصلة انفصالا تاما و نهائيا عن الواقع المادي الاجتماعي الملموس و أسئلته. و شخص حالم منفصل عن الواقع و لا يؤمن بالعمل المادي الملموس لم يكن ليفترض فيه أن يقدم على بناء أكاديمية و تدريس فلسفته بها. فأفلاطون لم يكن يؤمن بارتباط الفلسفة و استمرارها بالفرد، بقدر ما كان يؤمن بضرورة مأسسة الفعل الفلسفي اجتماعياً. و المؤسسة لها، طبعاً، امتداداتها الاجتماعية المادية و هي أبقى من الفرد.
إن القضايا التي تدور حولها المحاورات هي، بهذا المعنى، قضايا مجتمع لا قضايا أفراد يقتلهم الفراغ فيقتلون الفراغ بالتأمل الفلسفي. و سؤال الماهية، الذي مس الأخلاق و السياسة و العالم الأخروي عند أفلاطون على لسان سقراط، لم يكن سؤال فيلسوف يطرح أسئلته في عزلة تامة عن قضايا عصره و مجتمعه. و بحكم كونها كذلك فقضايا المحاورات لا يمكن أن تُقرأً مجردة عن كل الصلات التي ربطتها بالسياق الثقافي و الاجتماعي الذي جاءت ضمنه. و الموقف الأفلاطوني حيال الجمال لا يمكن أن يقرأ إلا في ذات السياقات و من خلالها. و هو ما سنحاوله أولا مع محاورة "فيدروس" فيما يتعلق بموضوع الجمال.
أ ـ في حديث الرأس المغطى و حديث الرأس المكشوف:
تعتبر محاورة فيدروس، من قبل دارسي التراث الأفلاطوني، من بين المحاورات التي تدخل ضمن مرحلة نضج أفلاطون إذ يرجح أنه قد كتبها في شيخوخته. و رغم أن الغالب على آراء النقاد و الدارسين هو أن موضوع المحاورة هو الجمال فالمحاورة تتناول موضوع النفس و خلودها و يمكن أن نعدها بمثابة الوجه الآخر لمحاورة فيدون حتى و إن تناولت مواضيع أخرى مثل الجمال و الحب و الخطابة. بعبارة أخرى فإن موضوع المحاورة هو ثنائية الخلود و الفناء التي تقود إلى التمييز بين النفس و الجسد، و من ثم إلى التمييز بين الحب الذي يعزى إلى الجسد باعتباره فانياً، و الحب الذي يعزى إلى النفس باعتباره خالدا، و كذا بين الجمال الخالد الذي يعزى إلى النفس و الجمال الفاني الذي يعزى إلى الجسد.
و تميل بعض الكتابات التي تناولت محاورة فيدروس إلى اعتبار أحداثها قد حصلت بالفعل و أن أفلاطون ـ كما في سائر المحاورات السقراطية الأخرى ـ كان مجرد ناقل لآراء سقراط و مدون لها. غير أن القراءة المتفحصة لبنيان المحاورة تجعلنا نشك في ذلك. فأطوار المحاورة تبدأ حين يلتقي سقراط بفيدروس متجها إلى خارج أسوار أثينا. و المحاورة تدور بين سقراط و فيدروس و لا ثالث لهما. و بالتالي يصبح من المشروع تماما أن نطرح السؤال: من نقل أطوار هذه المحاورة إلى أفلاطون بكل هذه الدقة و التفاصيل؟
إن فيدروس يغادر أسوار أثينا حاملا مقالا عن الحب للوسياس. و فجأة يداهمه سقراط بأسئلته ملحا عليه في أن يقرأ عليه مقال لوسياس، ويتوجهان إلى ضفة النهر ليجلسا تحت شجرة من أشجار الصنار حيث يقرأ فيدروس المقال و تبدأ المحاورة بينهما. و نجد فيدروس يقول لسقراط:
"أنظر، إننا بمفردنا في مكان قفر، و أنا الأصغر و الأشد، هذا هو كل ما في الأمر. و باختصار أقول لك "لتع كلامي تماما" و لا تجعلني أجبرك على الكلام بل تكلم بإرادتك" (12).
و هنا يلجأ سقراط إلى تغطية رأسه متذرعا بتفادي الخجل من فيدروس و الارتباك أمامه و يسرد علينا قصة ذلك المحب الماكر الذي يتظاهر بعدم الوله في العشق أمام الفتى الذي يعشقه محرضا إياه على أن "غير المحب سليم بينما المحب سقيم". و هذا الحديث ـ كما يزعم سقراط ـ هو من وحي ربات الشعر التي يستنجد بها قبل أن يشرع في الحديث:
"إلي يا ربات الشعر! أيتها الإلهات يا ذوات الصوت الرخيم"(13).
ثم لا يلبث سقراط  أن يوضح مصدر هذا الحديث قائلا لفيدروس: "أتدري ما الذي يوحي إلي بهذا؟ إنها راحة نفسية تامة يا أيها العجيب فيدروس بكوني في حال أستطيع لو اقتضى الأمر أن أقدم فيها مقالا مختلفا لا يقل عن المقال الذي ذكرته، و على كل حال فإن هذه الأفكار لا تصدر عن ذاتي فإني متأكد من جهلي و شاعر به فلا يبقى إلا أن أذني قد امتلأتا بها من مصدر غريب لا أعرفه، كما تمتلئ القدر... و لكن بلادة عقلي تمنعني من تذكر الظروف و الأشخاص الذين سمعت عنهم هذا الكلام"(14).
فسقراط هنا يتحلل تماما من مسؤوليته عما سيقوله لفيدروس، و من خلاله للقارئ، باعتباره حديثا امتلأت به أذناه كما تمتلئ القدر. ثم ينقلب سقراط لاحقاً على كل ما قاله عندما يكشف رأسه المغطى ليعلن بوضوح:
"لتنظر يا صديقي فيدروس كم من وقاحة في الحديثين السابقين سواء هذا الذي قلته أنا أم ذلك الذي قرأته أنت من كتابك... و لنفرض أن رجلا قد تميز بالنبل و الفضيلة و أنه كان عاشقا أو معشوقا على النحو الذي ذكرناه، ثم استمع لحديثنا عن العشاق الذين ينقلبون إلى عداوة ضارية لأتفه الأسباب و يسلكون مسلك الغيرة و المضايقة نحو معشوقيهم، ألا تظنه يحكم على من يقولون هذا القول بأنهم قوم قد نشأوا وسط سفلة من البحارة؟ أو أنهم لم يروا الحب نقيا خالصا أبدا؟ ألا يمتنع مثل ذلك الرجل عن موافقتنا على لوم الحب."(15)
و يضيف:
"إنه شنيع يا فيدروس! شنيع هذا الحديث الذي تكفلت أنت قوله و كذلك الحديث الذي أجبرتني على النطق به..."(16)
لينتهي إلى الحكم النهائي و القاطع:
"إنه لحماقة و كفر! هل يوجد حديث أكثر شناعة من هذا؟"(17)
هكذا ف"الشناعة و الكفر" هما حديث الرأس المغطى، المنقطع عن المكان، المحجوب بشكل أو بآخر عن الجمال المتمثل في الفتى فيدروس و نهر أليسوس و أشجار الصنار. أما حديث الرأس المكشوف، أي عندما يزيح سقراط الغطاء عن وجهه ليصبح متصلا بالجمال، فهو حديث مختلف تماما و ليس من قبيل ما امتلأت به أذناه كما تمتلئ القدر، أي ليس في آخر المطاف حديث الناس و إنما هو حديث الآلهة. و يمهد له سقراط بالقول: "في ذلك الوقت الذي كنت فيه أوشك على عبور النهر ظهر لي يا صديقي هذا الجني و هذه الإشارة التي تحدث لي عادة كي تحذرني دائما من عمل شيء أكون على وشك إتيانه، و أظنني قد سمعت صوتا يصدر منها يمنعني من التقدم قبل أن أفرغ من أداء كفارة عن ذنب قد اقترفته نحو الإله. و إنها لبرهان على أني عراف و إن لم أكن عرافا ماهرا و لكنها تكفي لتنبيهي على أي الحالات فكان شأني في ذلك شأن المفسرين السيئين، و إني لأشعر بوضوح أني قد أذنبت. كذلك فمن المؤكد يا صديقي أنه يوجد شيء ما له قدرة على التنبؤ و أن هذا الشيء هو النفس. و لقد كان هناك شيء يزعجني أثناء تلاوة حديثي، و كنت مضطربا خشية أن أكون قد أخطأت في حق الآلهة كي أكتسب احترام البشر"(18).
فهنا يبدأ التمهيد للحديث عن النفس و خلودها، و من ثمة للحديث عن الجمال الخالد و الحب الخالد. و حديث الرأس المكشوف هذا لا يقتضي فقط تغير المتحدث بل يستوجب أيضا تغيير المتلقي، أو عل الأقل إشعاره بضرورة التحول إلى مخاطب مغاير. فنجد سقراط يتساءل: "و أين ذهب هذا الفتى الذي كنت أحدثه؟"
ب ـ في دلالات المكان بين فيدروس و فيدون:
لقد أصر أفلاطون على جعل المحاورة تدور عند نهر أليسوس خارج أسوار أثينا. و في الخروج عن أسوار أثينا إحالة على الانفلات من سلطة المدينة و من الحدود التي ترسمها أسوارها للجسد و النفس معاً. بل إن هذا الانفلات يصل أقصاه و يصبح انفلاتا من سلطة آلهة المدينة نفسها. و لذلك نجد فيدروس يقول باللفظ الصريح: "و لكن بمن أقسم؟ أي إله أختار؟ أتريد أن أقسم لك ب"الصنار" الذي أمامك؟ إني لأشهده على أنك إذا لم تنطق بحديثك أمام هذه الشجرة فلن أقرأ عليك أو أروي لك بعد ذلك أي مقال لأي خطيب آخر..."(19).
فالإصرار على الانفلات من سلطة أسوار أثينا هو في حد ذاته إصرار على الانفلات من سلطة آلهة الدولة و اختيار إله جديد، لحظي، آني، يتمثل في شجر الصنار الذي يقسم به فيدروس، باعتباره جزء من فضاء يعدنا أفلاطون تدريجيا لكي نتقبل أنه فضاء غير عادي. فسقراط يقول لفيدروس: "آه بحق هيرا، إنه لأجمل مكان تقودنا إليه! إن شجر الصنار هذا تمتد أغصانه في مساحة تساوي ارتفاعه! و شجرة الخشخاش هذه ما أضخمها و ما أجمل ظلها! إن المكان لفي أوج ازدهاره و لا يمكن أن يكون أكثر عطرا مما هو عليه...
و هناك أيضا ذلك النبع الساحر الذي يسيل أسفل أشجار الصنار. إن ماءه منعش، و يكفي أن أبلل قدمي فيه حتى أتحقق من ذلك.
إن المرء ليجزم لما في هذا المكان من تماثيل و أيقونات مهداة للآلهة بأنه مكرس للحوريات و لأخيلوس.
و فضلا عن ذلك، ألا يروقك الهواء هنا؟ أليس رقيقا إلى أبعد حد؟ إنه لحن مؤتلف يقدمه الصيف لجوقة من صراصير الليل غير أن ألطف الأشياء هو هذا السندس الأخضر ذو الليونة الطبيعية و الارتفاع الذي يسمح للمرء أن يستلقي و يسند رأسه عليه في يسر. و الحق يا عزيزي أنك لخير مرشد للغريب"(20).
فهذا الفضاء الجميل، الفسيح، بكل مكوناته الحسية من أشجار و ماء و هواء نقي هو الذي يستثير الإحساس بالجمال لدى المتحاورين و لدى القارئ في آن واحد. ثم يعمد أفلاطون لاحقاً إلى شحن هذا الفضاء بعناصر إلهية مثل "الإيقونات المهداة للآلهة" و "التماثيل". وحتى إن كانت هذه الأيقونات و التماثيل مؤثثات حسية للفضاء بدورها، فإنها تُستخدَم مَعْبَراً دلالياً لنقل المتحاورين و القارئ من المحسوس إلى اللامحسوس ما دامت الآلهة وحدها تختفي وراء التماثيل و الأيقونات سواء في ذهن المتحاورين أو في ذهن القارئ. و عبر هذا المَعبر يتم نقل القارئ إلى عالم غير محسوس تماماً هو عالم النفس و هي تنزل من عالم الآلهة إلى عالم الإنسان، أي إلى عالم الجسد، أي إلى عالم المادة.
فالمكان في فيدروس رحب لأنه المكان الذي تنزل فيه النفس. أما المكان في فيدون، حيث تصعد النفس، فهو على العكس من ذلك تماماً مكان ضيق: إنه سجن سقراط في يوم إعدامه. إن أفلاطون، باختصار، حين أراد أن ينزل النفس في فيدروس هيأ لها المكان الذي يغريها بالنزول. و حين أراد أن يُصْعِدَها في فيدون هيأ لها المكان الذي يضيق عليها ليرغمها على الصعود.
رحلة النفس في فيدروس هي رحلة نزول إلى عالم المحسوس. لكن إدراك أطوار هذه الرحلة و تفاصيلها يقتضي من الفيلسوف رحلة في الاتجاه المعاكس، أي صعوداً نحو عالم الآلهة. و هذا الصعود يبدأ منذ اللحظة الأولى التي يلتقي فيها سقراط بفيدروس.
ج ـ في الإحساس بالجمال: من الحب إلى الحب المقابل Anteros
إن فيدروس، الفتى الجميل، هو الذي يرشد سقراط إلى المكان الجميل الذي فيه تنزل النفس. و فيدروس، بالنسبة لسقراط، هو المحبوب الجميل،العجيب، و الإلهي. و هو الذي كان في "المأدبة" يسأل أركسيماخوس يوميا لماذا لم يقم أي شاعر بمدح الحب، و يعتبر الحب أقدم الآلهة على الإطلاق. و مثلما كان فيدروس في "المأدبة" المفجر المباشر لموضوع المحاورة الذي هو الحب، فهو في فيدروس دليل سقراط، و من خلاله القارئ، إلى عالم النفس و الآلهة. و هو يستمد شرعيته و سلطته كمرشد لسقراط و القارئ في رحلتهما صعودا إلى عالم الآلهة من الجمال، و الحب، و الخطب التي يحملها. و هكذا نجد سقراط يقول لفيدروس: "ألسنا نستدرج الحيوانات عندما تكون جياعاً بتحريك فرع من العشب أو الفاكهة أمامها؟ و كذلك تفعل أنت معي: فبواسطة الخطب التي تكشف لي عن أوراقها أمامي سوف تجعلني أطوف بإقليم أتيكا كله، بل أتجاوزه لو حلا لك ذلك!"(21).
فالتقاء سقراط بفيدروس هو أول التقاء له، داخل المحاورة، بالجمال. ثم يتعزز هذا الإحساس بالجمال عبر الفضاء و مكوناته، علما أن لهذا الجمال تيارا ينعكس "كما تنعكس الريح أو الصوت ـ إن وقع على الأسطح الصلدة الملساء ـ في اتجاه مخالف لتعود إلى نقطة البداية. فكذلك يكون التيار الصادر عن الجمال، فهو ينعكس و يعود مرة أخرى إلى مصدره عن طريق الأعين، ذلك الطريق الطبيعي المؤدي إلى النفس" (22). فالالتقاء الحسي بالجمال عبر العين يرتد ـ عبر نفس الوسيط الحسي ـ في اتجاه نفس المحبوب التي تمتلئ بدورها حبا فيصبح "في قلق شديد لأنه لا يعلم حتى حقيقة ما يعانيه و لا يملك له تفسيرا أو هو بالأحرى كالذي التقط من غيره داء الرمد لا يعلم له علة و لا يدرك أنه يرى نفسه في عاشقه شأن من ينظر في المرآة، و لذلك فهو يعاني ما يعانيه هذا الأخير، و إذا ما التقى بعاشقه تنتهي آلامه و لكن إذا غاب عنه يصيبه الأسف و الندم الذي يصيب الآخر تماما، إذ قد مسه حب مقابل هو صورة منعكسة للحب"(23).
إن الإحساس بالجمال، أو تيار الجمال، لا يتولد عنه الحب فقط و إنما يتولد عنه مدار مقفل من "الاشتهاء" الذي يتماهى فيه اشتهاء الآخر باشتهاء الذات، و رؤية الجمال في الآخر برؤية الجمال في الذات، و حب الآخر بحب الذات. فالجمال، بهذا المعنى، مسلك إلى معرفة النفس، بمعنى الذات، أي في بعدها الفردي، ثم إلى معرفة النفس بمعنى الجوهر. و لذلك يصبح الجهل بالمحبوب الجميل جهلا بالذات فيقول سقراط لفيدروس: "أي فيدروس، إنني إن جهلتك فقد جهلت ذاتي!"(24). فالجهل بالذات يبدأ حينما يبدأ الجهل بالجمال و الحب. و معرفة الذات تبدأ ـ عكس ذلك ـ من حيث يبدأ الجمال الذي يؤدي تياره المرتد في اتجاه النفس إلى "الحب المقابل" (Anteros)، مما يجعلها تتزود عبر هذا الفيض بريش جديد يساعدها على الصعود في اتجاه عالم الآلهة لتصف لنا الرحلة المعاكسة للنفس نزولا إلى عالم الجسد. فمن أثر الجمال في النفس أنه يؤدي إلى الهوس الإلهي. و الدليل على ذلك هو أن "الناس الذين اخترعوا الأسماء في العصور القديمة لم يكونوا يعتبرون الهوس شيئا مخجلا أو معيبا و إلا فلماذا اشتقوا من اسمه اسما لأجمل الفنون و هو فن التنبؤ بالغيب أو النبوءة. و لا شك أنهم كانوا يعدون الهوس شيئا جميلا و بخاصة إذا جاءهم من مصدر إلهي و من ذلك فقد سموه بهذا الإسم. أما المحدثون فهم على العكس من ذلك لم يؤتوا حاسة الجمال"(25).
فهؤلاء المحدثون، الذين لم يؤتوا حاسة الجمال، ليسوا سوى أولئك الذين يعيشون زمن الحرب البيلوبونيسية و ما أعقبها من زلزال عارم زعزع كل النظم السياسية و الأخلاقية و الاجتماعية في أثينا و بلاد اليونان عامة. و ما الحرب إلا حالة من اللانظام؛ بينما الجمال هو النظام الذي حل بمجمع الآلهة بعد أن حل به إيروس (إله الحب) ثم حل، أي النظام، بالعالم لاحقا. فالحب ناتج عن الإحساس بالجمال الناجم عن إله الحب، أي عن إيروس، أي بالنظام. و الحاجة إلى هذا النظام، في عصر موسوم بالحروب و الانقلابات السياسية و الاجتماعية، كانت حاجة موضوعية و مستعجلة. ناهيك عن أنها كانت حاجة فكرية قبل أن تكون حاجة سياسية. فوحده العقل النظامي، أو الفلسفة النظامية، يمكنها أن تعيد صياغة النظام، أي إعادة تأسيس الجمال. و لا إمكان لهذه الفلسفة إلا عبر الإحساس بالجمال الحسي، العيني، الأرضي، المتمثل لدينا هنا في الفتى فيدروس و كل المؤثثات السينوغرافية التي ذكرناها. إن هذا الجمال هو المدخل إلى الجذب، و الهوس، و الحب، ثم "الهذيان الكوريبانتي" بما هو القول الفلسفي النظامي عينه.

 

 

 

 
© 2009 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الوارف للدراسات الإنسانية
الكتابات المنشورة على موقع الوارف خاصة بالمعهد، في حال الاقتباس أو النقل عن الموقع يرجى ذكر المصدر المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة توجّه المعهد، في حين تمثل وجهة نظر كاتبيها