الرئيسية وارف الأدب والفن الشعر في يومه العالمي

دراسات ميدانية





الشعر في يومه العالمي PDF طباعة البريد الإلكترونى

كنبت نوارة لحرش ـ الجزائر
خاص وارف الأدب والفن

كأن الشعر سيد العالم، كأنه طفله المشاغب أبدا، كأنه نغمته الأبدية التي لا تصدأ ولا تصاب بالشرخ والانتكاسات الوهجية، رغم تفاوت أزمنة ازدهاره وخفوته

  كأنه قدر اللغة أن/كي تتدلل أكثر وتتمدد في معانيه وتراتيله ما طاب لها هذا البهاء الاستثنائي الآخذ في الفرادة وفي اللكنة الشجية النابضة بالحياة والألوان والمفردات والسحر والدهشة ...كأنه الشعر في يومه يرتدي قلوب الشعراء كي يبتسم أكثف وأوسع ، كأنه يرفرف بأجنحة من جراحاتهم وأحلامهم كي يهمس في أوردتهم: لستم غرباء الكون ، فأنا وطنكم ومأواكم وخبزكم وفرحكم غير المؤجل. ولستم يتامى اللحظة واللغة، أنا هنا أحتفي بكم أنتم الذين طالما احتفيتم بي في لياليكم ونصوصكم وفرشتم لي أفئدتكم ونبراتكم في البياض وفي الروح.  هنا شهادات/ورقات مهربة من هواجس الشعراء بمناسبة 21 مارس احتفالية يوم وعيد الشعر العالمي/ يومهم وعيدهم طبعا. 

 

** سعدية مفرح / شاعرة كويتية ورئيسة القسيم الثقافي لجريدة القبس (الشعر إحدى أجمل الحقائق في تاريخ الكائن البشري) اليوم،وأنا أستعد لكتابة مساهمتي في تحقيق جريدة النصر الجزائرية عن الشعر في يومه العالمي،وفقا لتقويم اليونسكو، قرأت جريدة الحياة العربية الصادرة في لندن، ولفتني أن المانشيت الرئيسي لصفحتها الأولى كان بعنوان (أربع قصائد غير منشورة لمحمود درويش بينها وصية إلى شاعر شاب) وقد نشر هذا الخبر على ستة أعمدة مما يوحي بأهميته في لغة أهل المهنة الصحفية...وبغض النظر عن قيمة القصائد التي تركها وراءه الشاعر الراحل، وهي قصائد رائعة وتمثل خلاصة أنيقة لتجربته في كتابة النص المغرق في فلسفته وغنائيته في الوقت نفسه، فإن نشرها بذلك المكان المميز صحفيا والمخصص عادة للأخبار السياسية المتعلقة بالأحداث الكبرى، يشي بمكانة الشعر المعنوية في الوجدان العربي دائما.لقد رأيت في ذلك الاحتفاء، الصحفي، النادر بالقيمة الشعرية دليلا جديدا وجميلا على أهمية الشعر في حياتنا، وعلى نار الشعر ربما تخبو قليلا نتيجة عوامل كثيرة لا مجال لذكرها في هذه العجالة، ولكنها لا تنطفئ..اليوم والعالم كله يحتفل بالشعر كإحدى أجمل الحقائق في تاريخ الكائن البشري، دعونا نحاول أن ننظر لمحض الشعر بعيدا عن أي وظيفة محتملة له...دعونا ننظر له كقيمة مطلقة وجمال نهائي وملاذ أخير...أنا شخصيا هكذا أفعل أبدا... 

 

** عبد الرزاق بوكبة / شاعر جزائري  (الشعر أرقى أنواع التهرب من الواقع) سأكون صريحا معكِ ولا تهمني مضاعفات صراحتي هذه على صورتي كشاعر : أنا لا أفكر هذه الأيام إلا في ابني القادم بعد شهور ،إنها تجربتي الأولى مع الأبوة عكس الكتابة حيث خضت تجارب عديدةً ومتعددةً فيها، لست أدري إذا كان يجوز لي أن أقول إنني أعيش مقاما يتماهى فيه الولدُ مع القصيدةِ وسوف لن أبديَّ لكِ تخوفي من هذا الشعور،بمعنى لستُ خائفا على مستقبل الشعرِ من إحساسي بالأبوة ، الحياة تجارب مثل الكتابة تماما. وسأتعامل مع قدوم ابني البكر بالطفوليةِ نفسها التي تعاملتُ بها مع صدور كتابي الأول "من دس خف سبويه في الرمل" ولستُ أدري هل أتمنى أن يكون ابني شاعرا في المستقبل أم غازيا للفضاء. في النهايةِ كلا الأمرين متساويان، القصيدة أيضا نوع من غزو الفضاء. أرأيتِ كيف أنني أهذي ،الشعرُ أيضا نوع من الهذيان..هل تحسبينني أبرر، الشعر لا يؤمنُ بالتبرير ، إنني أتهربُ ؟. الشعرُ أرقى أنواع التهرب من الواقع، والواقعُ أن أرى ابني البكرَ نوعا من دواويني الجديدة. 

 

** صباح زوين / شاعرة وناقدة ومترجمة لبنانية (أسئلة الشعر ومعناه وأسئلة الشاعر وجدارته) بمناسبة اليوم العالمي للشعر، وبعد طول سنين في ممارسة الكتابة الشعرية، أراني أطرح على نفسي الأسئلة ذاتها التي دائما شغلتني ولا تزال. ما هو الشعر ومن هو الشاعر. أتساءل ولست قادرة على الإجابة. أتساءل لأني لم أكتفِ يوما ًبما يدور حولي من نشاطات شعرية، فأحاول الذهاب بذاتي إلى أبعد، إلى ما بعد الحالة العامة والسائدة والمتوافق عليها، إلى ما وراء هذا الركض خلف النشر والأمسيات والنقد البنّاء وغير البناء والمشاكسة والمناقشة الخ الخ.أتساءل عن ماهية الشعر وعن معناه. عن حقيقته وعن وهميته. عن أصله وأصالته. عن جدارة من يكتبه أو عدم جدارته. عن الفرق بين حق النرجسية وحق الكتابة إذ أن نكون نحب أنفسنا بارزين في حقل الشعر لا يعني أن نكون بالضرورة شعراء. لذا وتاليا ً، أتساءل كيف يلد الشاعر، أعني كيف تلد عنده فكرة أن يكون شاعرا ً. فهل هي صدفة التقاء ظروف مؤاتية للبدء في خوض هذه الطريق فيكتب ويتعجب من نفسه أنه يكتب ؟ أم هي حاجة ماسة وملحّة تؤرق هذا الشخص أو ذاك فيهم ّ في تأليف القصيدة ؟ وهل القصيدة أنشودة، أو صورة، أو جملة موسيقية، أو مضمون، أو شكل وأسلوب ، أو كل هذا معا، أو أيضا ما من هذا إطلاقا إنما أي شيء آخر؟ هل يمكننا أن نعتبر كل جملة شعرا ً، أيا كان نوع الجملة السردية التي نسميها شعرا ً؟ ما هي حدود الشعرية ؟ أين يبدأ الشعر وأين تنتهي حدوده لتبدأ حدود ما ليس شعرا ً؟ وما معنى أن نقول "هذا شعرٌ " وذاك "ليس بشعر ٍ" ؟ من يقرر ما هو الشعر ؟ الزمن وحده كفيل بإعطاء الشهادة وإصدار الأحكام أم هي الذائقة البشرية المتحولة التي تقرر؟ وهل بتنا تاليا ًومن ناحية أخرى على عتبة مفتوحة أمام كل إمكانيات الكتابة كما إمكانيات وحرية اعتبار هذه الكتابات قصائد؟ ثم من يستطيع أن يحدد تلك الفوارق بين نص غير شعري ونص شعري ؟. بل إلى من تعود هذه الأحقية ؟ من هو وكيل الشعر في حياتنا الثقافية؟ وإذا كان ثمة من وكيل، هل يمكننا مساءلته وإخضاعه لإعادة النظر في كل ما هو مطروح ومكتوب ومنشور ؟ وهل يحق لي أن أناقش وأرفض بعض ما أراه غير معقول شعريا في حين غيري يراه معقولا وشعريا جدا ؟ ثم هل القصيدة هي ما ننزله على الورقة كتلة واحدة خالصة منتهية كاملة نهائية بضربة قلم واحدة، أم هي ما ينزل أولا على الورقة باردا وغير فني وغير جمالي ومتعثر ومن ثم نبدأ بتحسينه وتجميله وتشذيبه الخ الخ ؟ ثم ، من ليس له هذه الإمكانية في التمييز بين برودة الجملة الشعرية وبين جماليتها ، فينشرها كما هي وفي اعتقاده أنها قصيدة ، من يقول لي أني على حق وأنه لم يكتب قصيدة ؟. طرحت على نفسي في الماضي وفي يوم الشعر تحديدا ، أي قبل سنوات عديدة ، أسئلة شبيهة لكي أنتقد غيري بدءا من ذاتي،ولم أتوصل إلى أي جواب شاف يريح قلقي، والحياة مستمرة بالشعر ومن دون الشعر، وليس التوجه إلى ذاتي سوى مثال للوصول إلى الآخر أكان شاعرا أم كان ممن يظن نفسه شاعرا. لكن هنا أيضا تعيدني هذه العبارة إلى نقد السؤال بذاته ، هذا الذي أطرحه، لأن من منا يحق له أصلاً  أن يطلق أحكاما، ومن منا يمكنه أن يجيب ؟!.  

 

** سعد سرحان / شاعر مغربي (قـناص الخـوف) لكأن العالم أعمى.لكأن الشاعر عكازة ضوء. العالم غزير الضوء. ولربما هو كذلك الآن أكثر من أي وقت قادم. ومع ذلك، فإن الشاعر (أقصد الشاعر طبعاً) يحمل مصباحه الصغير،الذي على هيئة قلب، ويجوب الأرجاء الساطعة وكله يقظة. ديوجين فعل الشيء نفسه في عز الظهيرة،وقد كانت الحقيقة ضالته،الحقيقة التي لم يصادفها أبداً، ليس لأنها أسطع من مصباحه، بل لأنها تقيم في مرآة لا أحد يعلم متى تشظت وتناثرت فإذا هي بعدد الأجنحة. ليست الحقيقة ما يهم الشاعر،بل هي الأجنحة.لذلك، كان ينظمها مثنى، مثنى ثم يطلقها سرباً فإذا هي قصيدة. ولمَّا كان يحرص على أن تكون الأجنحة لنفس الفصيلة، فإن التحليق كان منسجماً من الريش حتى الغناء. لم يعد الشاعر ذيَّاك الشاعر. فقد جعل يؤاخي بين الأجنحة قاطبة، من جناح البعوضة حتى جناح الرخ، في سعي عنيد منه لإعادة تركيب ولو جزء صغير من المرآة، عسى أن يكون الجزءَ حيث عين الحقيقة، العين المسمولة وهي تحدق بشماتة في ظلام العالم. لا غرابة، إذن ، إن جاءت قصيدته شعثاء مثل كومة من الريش. ولا غرابة إن استعارت بعضاً من أصوات الغابة.لكأن الشاعر قناص سديد. لكأن الخوف طريدته المشتهاة.العالم غزير الضوء والشاعر لا يزال يحمل مصباحه ويغدق عليه من زيت القلب كيلا يتوقف وجيب الضوء. تلك طريقته في التوجس من هذا السطوع العظيم. فقد رأى فيما يرى الشاعر أن العالم سيصاب بسكتة ضوئية مفاجئة ترديه جثة حالكة. ساعتها سيظهر الوجه الحقيقي للخوف في مرآة الظلام الكبير. ولا أحد غيره، وبفضل مصباحه النادر الذي يذرف أجنحة الضوء، سينعم برؤية الوجه البهي ذاك، الوجه الذي يشبه تماماً عين الحقيقة. وديوجين ، هل كان يخاف انقطاعاً مفاجئاً للشمس؟.  

 

** شريف الشافعي / شاعر مصري مقيم في السعودية (أحتفل بيوم الشعر مع كلّ بلعةِ ريق) (أنا): نقطة حبرٍ جديدة أراني، لم توضع فوق حرفٍ ثابت، ومساحة ما متوقّعة، لم تتشكّل نهائيًّا بعد. في يدي نصفُ زهرة بيضاء، في يد العالم نصفها الآخر. وحدي، أراهن على اكتمال البياض. ما أخطر الرحلة، بعد انسحاب ظلي المضيء فجأة، ربما لالتقاط الأنفاس، ربما لانحسار الوقود! الفرق الجوهري بيني وبين ظلي، أنني لا أخشى أبدًا نفاد رصيدي من الطاقة، لأن منبعه حيوية الحياة.ليست معي بوصلةٌ واحدة صادقة، أتحسس بها الجهات الجغرافية والمغنطيسية، لكنني أؤمن بأن الجهات الأصلية كلها يمكن الاهتداء إليها بالقوة الروحية، ومعانقتها بالحواس الخمس المعروفة، والحواس الذائبة في الضمير، بدون أن تحمل خطواتي رائحة إبرة ممغنطة. أنا المشتاق دائمًا إلى الذي لم يكن أصلاً، لا أصدق أن النجوم تحدثت عني كما قيل لي، لأنني أرى القمر الصامت يحكي عني أكثر. أنا جسر الحوار الحميم بين الإنسان الآلي والإنسان الإنسان، قصيدة برزخية تصل العالم الحقيقي بالعوالم الافتراضية والإلكترونية، خفقاتُ قلبٍ بغير عروقٍ، شحناتُ برقٍ بلا أسلاكٍ، نقاطُ إنترنت مضيئة بدون خيوط عنكبوتية، فيروسات نشطة تدور عكس عقارب الساعة، عكس صدأ الوقت، عكس برامج تشغيل الكمبيوتر والقوانين الأساسية للروبوتات. أنا المنزلق حافيًا فوق أرض خشنةٍ، الهازئ بِمُعامِل الاحتكاك وشروط الحياة الجامدة. أنا حامل التحيات للعناصر المشعّة بذاتها في الوجود، لا لمصابيح راضعةٍ من كهرباء.أنا الذي حينما أَخُشُّ فراشة القز أحب أن أكون حرير روحها، وحينما أخرج من دودة القز لا أحب أن أكون حرير شرنقتها. أنا غير المتعادل دائمًا، حتى إذا سكنتْ روحي المصابةُ بالحموضة جسدًا قلويًّا. أنا الذي إن ذبتُ بسرعةٍ في البنّيّ المحروقِ، بديناميت معشوقتي المتعجّلة تصفيتي، لم أخش تحللي النبيل، بقدر ما أخاف على نضارة ناسفتي من فنجان قهوة سريعة التحضير. أنا الذي أمنّي نفسي بسلامة الوصول، ليس عن ثقةٍ، لكن لأن جُرحي سبقني ووصل "سليمًا"، إلى الضفة الأخرى من المتاهة!. (الطاقة): الشعر عندي ليس اهتمامًا، بمعنى الاحتشاد والانشغال والقصدية. الشعر عملية حيوية، عادية جدًّا، لكنها لازمة للوجود، شأن التنفس والهضم. الشعر هو "التمثيل الضوئي" الذي فُطرت عليه روحي، وتمارسه ليل نهار، بكلوروفيلها الخاص جدًّا، ولا تستلزم آلية عملها طاقة الشمس كأوراق النباتات. الميكانيزم معقد بالتأكيد، هذا أمر مسلّم به، لكنني لا أقف كثيرًا عنده، طالما أن العملية تحدث من تلقاء ذاتها (عملية تحويل طاقة الحياة إلى طاقة شعرية)، وطالما أن المنتج غزير وافر بفضل الله، والأهم أنه منتج جديد، مرغوب فيه، لا يشبه غيره، قادر على أن يترجم بأمانة شفرتي الوراثية، ويعكس مكابدات صديقي الإنسان في كل مكان، ويرسم صورة بانورامية لهذا العصر الآلي الرقمي الأجوف، بتركيز شديد. أنا لا أبسّط الأمور أكثر من اللازم، ولا ألغي التخطيط والذهنية ومقومات الاحتراف ولوازم الثقافة والمعرفة التي تنبني عليها أية تجربة شعرية طموح، لكنني أراهن في الأساس على نفاسة المعدن بصورته النقية، على "الشعرية الخام" إذا جاز التعبير. إن الذي وجدتُه في الشعر هو "الشعر نفسه"، كما تمنيتُ أنا أن يكون، أي بالصورة التي تستهويني، ومن ثم فإنني أشرك القراء معي ببساطة وحميمية في ملامسة هذا الجوهر، الذي أراه مختلفًا نادرًا، من وجهة نظري أنا على الأقل. (هو): "إلى أي مدىً يشغلكَ القارئ؟!"، مثل هذا السؤال يشي بأن القارئ من المحتمل أن يغيب كليًّا أو نسبيًّا عن الكتابة، وإن حضر ـ ولو كليًّا ـ فإنه يحضر بقوة "الانشغال" و"الاشتغال"! ما هذا الفصل التعسفي بين الشاعر وقارئه، بين كيانين منصهرين تمامًا، بل كيان واحد، يغذّي أنسجته دمٌ واحدٌ، وهواءٌ واحدٌ؟! أتصور أن "حياة الشعر" مرهونة في الأساس بكونه "شعر حياة"، فبقدرة النص الحيوي على النبض الطبيعي والحركة الحرة ـ بدون أجهزة إعاشة وأسطوانات أوكسجين وأطراف صناعية ـ تُقاس عافيته وخصوبته، ويتحدد عمره الحقيقي، ويمتد عمره الافتراضي خارج المكان والزمان. حضور القارئ، بل حلوله، في الماهية الإبداعية الملغزة، هو وضع طبيعي يعكس انفتاح المبدع كإنسان على أخيه الإنسان، ويعكس انفتاح الكتابة الإبداعية على العالم الحسي المشترك، والوقائع والعلاقات المتبادلة، وأيضًا على الأحلام والهواجس والافتراضات والفضاء التخيّلي غير المقتصر على فئة نخبوية دون سواها!لقد أفسد الوسطاء (الذين لا يمتنعون) كل شيء، حتى صفاء العلاقة بين الشاعر وقارئه، عفوًا بين الشاعر ونفسه، فصار الشاعر يخاطب نفسه عبر وسيط، ويرى الحياة من خلال مناظير وتليسكوبات، مع أنها أقرب إليه من حبل الوريد! لقد أفسد الوسطاء ليس فقط رؤية العالم، لكن أيضًا "تشكيله" أو "إعادة صياغته" كما يقول البعض، فحلّت الأغذية المعقدة، المليئة بمكسبات الطعم والألوان الإضافية والمواد الحافظة، محل الصحي المستساغ المؤثر البسيط، الأقرب إلى الفطرة والبدائية، وهو الذي يترفع عنه البلاغيون المقولبون وذوو المفاهيم المعلبة، مع أن خبزهم اليومي وحصادهم المعرفي في جوهره من طحين البشر في علاقاتهم وتفاعلاتهم الطبيعية، ومع أنهم ارتضوا بنشر أعمالهم في كتب ومجلات من لحم ودم، يتم عرضها فوق أرفف مكتبات، وعلى أرصفة شوارع مزدحمة تدوسها أقدام البشر! لتحديد (إلى أي مدىً "يشغلني" القارئ؟!) أقول بمنتهى البساطة: ليست هناك مسافة أصلاً بين الشاعر والقارئ، بشرط ألا تكون هناك مسافة بين الشاعر ونفسه. إن الشاعر الذي يقول ما لا يطمح أحدٌ أن يقوله أو يسمعه، أو ما لا يصلح أن يردده أحدٌ غيره، هو في الحقيقة لم يقل شيئًا، لأن فعل القول هنا أحادي ناقص، على أن هذا الأمر لا يتنافى مع مسلّمة أن الشاعر الكبير يجب أن يكون مغايرًا متفردًا، وتلك هي المعادلة الصعبة. إن الاستمتاع الذاتي بالكتابة الحرة، كغاية أولى وأخيرة للشاعر، ووضاءة الاستشفاف النقي، وفردانية التعبير، وخصوبة وعمق التكثيف الشعري لحركة الحياة، والقدرة على بلورتها بذكاء في قطرات مضيئة مدهشة، أو ما يمكن تسميته عمومًا بـ"شعرية الشاعر، وآلياتها"، ليست أبدًا عوازل حرارية ولا أبراجًا عاجية، تفصل روح الشاعر المتقدة عن أرواح أخرى أقل أو أكثر نشاطًا تدور في الفلك نفسه، لكنها كلها تشكل جوهر الشاعر الفذ المتّقد، وطاقته الكبرى التي تمكنه من الالتصاق الحميم أكثر بالأرواح التي هي ملتصقة به أصلاً، فيقول الشاعر بفعل هذه الطاقة المتوهجة ما يتمنى القارئ أن يقوله إذا توفرت له هذه الصلاحيات التعبيرية التفجيرية. وتظل معجزة الشاعر الحقيقية مقترنة بأنه هو الذي تمكن بالفعل ـ دون سواه ـ من قول ما تمنى الكثيرون أن يقولوه، على هذا النحو الطازج المدهش، وأنهم قالوا مقولته، بعد أن قالها، ليعبروا بها عن أنفسهم، ويفهموا أعماقهم وأعماق العالم أكثر. وهذا الأمر لا يتنافى أيضًا مع كون القصيدة النثرية الحديثة نتاج معاناة فرد في الأساس، وتلك معادلة أخرى أكثر صعوبة.انطلاقًا من هذا، وفي القرية الكونية التي نعيش فيها الآن، وفي فضاء النشر الإلكتروني، وفي ظل امتلاك أغلبية الشعراء ـ وأنا منهم ـ مواقع شخصية على شبكة الإنترنت، أطمح ـ كشاعر ـ إلى أن أكون صوت نفسي بالضرورة، وصوت صديقي القارئ، صديقي الإنسان، في كل مكان، خصوصًا أن هموم البشر الملحة صارت تتعلق أكثر بمصيرهم المشترك، بوجودهم ذاته، وليس بقضاياهم الإقليمية المتضائلة.في ديواني الأخير "الأعمال الكاملة لإنسان آلي": أنا الشاعر وأنا القارئ معًا، أنا قارئ ذاتي وقارئ قارئي، والقارئ قارئ ذاته وقارئي، والنص الشعري نصف زهرة تكتمل بالآخرين، والرهان معقود على قدرة النص على اختصار مكابدات إنسان القرن الحادي والعشرين في القارات الست، في المجتمعات المستضعفة، وفي بؤر القوة المهيمنة في الآن ذاته، لأن الإنسان ـ في الجانبين ـ مهزوم، وغائب، وبلا روح، يبحث عن ظل شعري يتنفسه. (معًا):"الغريبُ، الذي يعبرُ الطريقَ ليس بحاجةٍ إلى عصا بيضاءَ ولا كلبٍ مدرّبٍ .. هو بحاجةٍ إلى أن تصير للطريقِ عيونٌ، تتسعُ لغرباء" (مهرجان):= في دمي مهرجانٌ شعريُّ دائمٌ، يسعُ الوجودَ.= دقاتُ قلبي حفلاتُ توقيعٍ وإيقاعٍ، متصلة.= أحتفلُ بيوم الشعر، مع كل بلعةِ ريق. 

 

 ** فاديا الخشن / شاعرة لبنانية تقيم في الدنمرك (الشعر هتاف أحمر وسؤال فوق المساءلة وصوتي الذي يسبق الضوء) لأني لا أستجيب للنوايا ولا أتوزع على شكل صفارة للأطفال ولأني المفوهة كما الثمار.مليئة بالحب والفن والجمال تراني في عيدك بعيدة كل البعد عن مرجعياتك الفلسفية والتاريخية  ففي يوم عيدك سأقدمك بالحرية ذاتها تلك التي تقدم لي بها ذاتك مستجمعة مسافات العالم وأزمانه لنؤسس للدهشة والمفاجأة والحلم. لأنك هتافنا الأحمر ولأنك تتوغل فينا كما الفحم في  المصابيح بل كما الفحم يتحول إلى ماس ولأنك لغتنا الكونية تلك التي لا يمكن أن تعرّف كالماء كما الكهرباء لا يمكن الوقوف على معنى واحد لها كما لا يمكن التلولب فوق صورها المتوالدة فآفاقها مغردة وشاسعة عوالمها وساهرة أقمارها تبعث فينا البهجة وتوسع دائرة  الجمال كحارس أمين للخيال سباحة أخرى عكس قيم البشاعة والفنون الرخيصة...وسؤال  فوق المساءلة. ولأنك الدمع الصافي يدرك جيدا في لحظة الكشف بأن أباه الشلال ساقط.ولأنك المرايا المهرولة في أعماقنا أو داخل كؤوسنا المترعة ولأنك أيها الشعر مراوح الحبر السكران الذي ينشر الحب وبهاء العشق وروعة الشغف ولأنك الفاضح المتحرك في فضاء الكوارث والفجائع عند الضرورة ولأنك..ولأنك..ولأنك..صرت صوتي الذي يسبق الضوء. وأنا إذ أكتب عن الشعر في عيده فلأنه لا يحلو لي التوقف عند مضامينه عبر  العصور ولا تطوره ولا حركته عبر المحور الأفقي أو الشاقوليي لأني أود أن يبقى نزهتي الماضية إلى المستقبل فهو من وجهة نظري الحامل الجميل لبذور حياته لأنه الباشق الذي  انفلت من أقفاص التسلط المر ضد ديكتاتورية الزمان وأغلال الزمان ، به أمضي كما الماء الزلال، يزخرف الخرائط وبه أكون سندباد أكون سندريلا وأكون به أليس في بلد العجائب به أسبر مطاوي الذات وبلغته أكبر تارة وأرهق أخرى وأبدا به لا أهرم بخياله أنصف آدميتي فهو غزوي وفتوحاتي،هو توأمي الذي يتربى معي ويترعرع،هو قطتي قلمي توقي وهو أكواني. أتقلب به كثيرا وأنزح به بعيدا، هو الأريج ال يحبو في شراييني، به أمضي إلى ما لست أعرف. هو حبي وسعادتي أتنفسه ويتنفسني ، هو جزعي وتوقي شكي وسخريتي منه لا أنعم بالاكتفاء وبه أصل إلى القمر، هو العالم المعقم والفائض في غمرة الحروب والخرائط هو قصري وصولجاني ملكي ومملكتي ودستور حكمي.والخارج عن دساتيره مطرود إلى غبار الثكنات، هو صاحب الجلالة به أدخل الحياة وبه استعصي على الفناء. نعم هو الشعر نبض بيدي ،هو المكتمل بعدالته، هو الريح حين تكون غزلا كونيا والطبيعة حين تكون أبجدية الآلهة
هو أرض وسماء وبينهما شوكة الإنسان،هو الطير حين يكون استطالة عشق والقبلة حين تكون على الشفاه تفاحة كاملة هو الروح المتعرشة على كتف الوحش الزمني هو زهرة اللؤلؤ الساقطة من عين حب بكر هو قارع أبواب الشوك هو الرحيق المتضوع من اللغة والرغبة الصارخة في معابر الدم الحار هو الكيان المغتسل من الدخان والنوم الكاريكاتوري هو العطر اختزال كل ربيع، هو منجل السؤال وبوستر الاحتمالات هو عين من سمائها يستنسل الرحيق
هو ذوق الآلهة وحلوى الشفاه، هو الباشق ال يعلو مع رذاذ الموج ليقطف اللهفة من وهج الشمس، هو الشوارع البيضاء المفتوحة القلب على عالم السمو
هو الذي يحرر الضوء السجين
هو الهازيء من قدع الأيام،وطن يتأرشف في العين، هو قاتلي لحظة التجلي العظيم هو الجسد حين يصير روحا لا تنعم بالسكينة،لا فوق ألواح الحكمة ولا في شفافية البراءة هو من يكبر به العالم والإنسان، هو لحم ودم وغزل وحب يتجول بوروده وشذاه يتضوع برذاذه فوق كل جمال،هو الكلام المتقافز من غزل إلى غزل فوق المجالس والقرارات والأوراق والمقاطعات والأوسمة وهو النور المنبعث من أرض الحلم به نصنع للوطن علما متخما بالانتصارات هو الأكسجين المنشط للأيام، هو المنهمر علي من براق ظميء، هو جند بلا أسلحة،هو شعوبي الكثيرة،هو المعتصم بأناملي والمعتصمة بتوقه، هو لون الشهوة المشحونة بالكبريت والنار
هو يصنع من رمال الحقيقة كريستال الروح،هو من يقتل الملك على رقعة شطرنج، هو الطير حين يكون في السماء طير احتجاج،هو احمرار عين الحلبة،هو الصانع لرمال الروح بحرا صافيا وسفنا وصيفا وطيور حب و أصداف وقبل ومتعة ولهاث.
فأن تكون شاعرا يعني أن تمتلك فاعلية الإبداع وأن تمتلك رؤى مغايرة في طرح الأسئلة، يعني أن تبتعد عن الاستنساخ والاستوثان والتمومؤ كي لا تكون قصيدتك جرد ركام. أن تكون شاعرا يعني أن تبتد عن مزالق الهشاشة فتبتني أسلوبك الشعري الخاص،الأسلوب الذي يوصلك لمتذوقي الشعر. أن تكون شاعرا يعني أن تستدرج القاريء إلى دائرة الفتنة اللغوية وأن تجذب القاريء مدارج المشهد. أن تكون شاعرا يعني أن تفتح أبواب اللغة على مصاريعها.وأن يصبح الشعر يوسف والكتابة زليخا. وأن تصير الطير المولع بالصيد الكلامي العالي وأن تصبح تفاحة الخطيئة التي تخصبها اللغة والفن والجمال. وأن تتفكك في جينات الكون لتمضي كما الشمس التي تحمل النار كل النار في ثدييها.أن تطلق مراوح توقك بالحب والحياة. أن تكون شاعرا يعني أن تكون رؤاك مقطعا عرضا في الزمكان ، أن تكون شاعرا ينبغي أن تمضي كموسوعات العشب وموشحات الماء كقراصنة العيون كجحيم دانتي أو كما الفردوس الطالع من غوايات الذات ومرارات الانبهار. 

 

** عبد الرحيم الخصار/ شاعر مغربي (الشعر يجلس وحيدا وغريبا في عيده وفي الاحتفالات والمهرجانات) يطرح أصدقائي سؤالا من حين لآخر مفاده: هل الزمن لا يزال زمن الشعر؟ وفي غمرة اليأس يبدو لي أنا المولع بالتفاؤل حتى في أحرج اللحظات أن الزمن زمن الشعر، زمن شاهق وشاسع رغم كل شيء. الكلمات تملك سحرها، السحر الذي يبدأ تأثيره و ينتهي على الساحر نفسه، غير أننا قبل أن ننشر الشعر ونترجمه ونحصل به على الجوائز ونقيم له الولائم والمهرجانات، يجب أولا أن نكتبه، والقصائد العظيمة غالبا ما تكتب بعيدا عن طمع النشر  ووهم الترجمات والجوائز وضجيج المهرجانات. غالبا ما تسيء المهرجانات إلى الشعر، إنها تدفع البعض إلى تقليد أصوات أخرى ، وتدفع البعض الآخر إلى التوهم بأنه صار شاعر زمانه، تزرع الكسل والتراخي والتسطح وتدفع آخرين إلى أشياء كثيرة تقف دائما في الضفة الأخرى ضد الشعر. اليوم العالمي للشعر فكرة قد تكون جميلة، لكن أين هو الشعر؟ إنه يجلس وحيدا وحزينا تحت شجرة في غابة، فيما الضجيج يعلو داخل المدينة من أجله. كان شيلي يقول:"الشعراء هم واضعو شرائع العالم غير المعترف بهم"،وكان بروتون يقول:"إن الاحتضان الشعري شبيه بالاحتضان الجسدي يغلق كل منفذ على بؤس العالم"، أعتقد أنني أوجد هناك قرب هؤلاء الحالمين الكبار الذين يؤمنون بالشعر عاريا وأعزل. لست ضد المهرجانات والاحتفالات، لكنني ضد ثقافة المهرجانات، وضد أن يتحول الشاعر إلى خطيب تجده يقرأ النص ذاته أينما حل و ارتحل، وضد أن يعذّ نصوصه على مقاس المهرجان الذي سيدعى إليه، وضد أن ينسى الشعر وينشغل في نهاره وليله بالدعوات والسفريات والاحتفالات. ربما في صالح الشعر أن يبقى بعيدا وغريبا،ربما. 

 

** مسعود حديبي/ شاعر جزائري (إقترابات من القصيدة/ سيدة المقام و"فاكهة الكلام")  الشعر مقدمة المقدمات، ومنتهى النهايات، قد ينتهي عند البدء، وقد يبدأ من نهايته رحلة أخرى مع البياض "ومادام الكلام عن الكلام صعب" كما يقال. ولأن النقد يدعيني ولا أدعيه، أكتفي بالاقتراب من أسئلة الشعر،وتجربة كتابته –حسب مفهومي الخاص – الذي لا ألزم به سواي، وما دمت لا أملك الحقيقة، فلن أتوسط بين النص والقارئ. لأن النص يرفض التعريفات والوساطات والوصايات ، فأنا لا أكتب الشعر من أجل تعليم الآخرين فالآخرون الذين نكتبلهم، يقفون على مسافات شتى من الوعي بالشعر،وعلى زوايا مختلفة من الميل إليه، ويكفي لو استطعت بشعري استفزاز شهوة القراءة فيهم ، و تحقيق تلك المتعة وذاك الاختراق..اختراق الذوق السائد ، والدخول بهم إلى حقول ملغمة بالأسئلة الصعبة، وممكنات الشعر ومستحيلاته ذلك هو انتصار الشعر في النهاية.أنا شاعر وكفي. ليست لدي إجابات جاهزة أقدمها لأولئك الذين يصطادون في الشعر معانيه ويفتشون في الذي يجوز ولا يجوز. أنا لا أغتال قصائدي بالشرح، بل أتركها في رعاية التأويل، فالقصيدة سؤالي الصعب الذي يخبئ كل التأويلات. أعلم أن أعداء الشعر كثيرون. وقدري أن أكتب يقيني على أن القصيدة التي أحلم بكتابتها قد لا ولن تكتب أبدا، فالأشياء الجميلة مفقودة دائما.. والكتابة بحث دائم عن شئ ما ضاع مني أو ضعت منه..إنني أبحث عن مستحيلي الذي أكمل به نقصا، أو أرمم به عطبا ما وأعلم أنني لا أستطيع. إن قصيدتي وطن وامرأة وسفر في الأشياء الجميلة واللغة الأنيقة، بحثا عن لحظات أشبه بالفراشات الهاربة، وأماكن أليفة ودافئة، أحلم بزيارتها والارتماء بين أحضانها الآمنة.أنا صديق البحر والأشجار والحزن والغيمات الماطرة ، ممتلئ بالنوايا الطيبة،والحالات الغامضة ومفعم بضلالات الشعر وغواياته، أرحل عبر أقاصي الشعر أبحث عن أبعاد جديدة للكون الشعري لم تدسها خطوات أجدادنا الشعراء السابقين ،وجزر أمارس فيها طقوس إنسانيتي.. وأستنشق فيها هواء الحرية والنسمات الطاهرة ، لأحقق ذاتي من خلال انتصار الشعر على الغباءات والخيبات والمسلمات. أنا شاعر وكفي..أقول بالشعر ما لا أستطيع قوله بسواه.. يتباهى البعض بمقوله (نهاية الشعر) لكن الشعر سيبقى فضاءنا الذي نلجأ إليه كلما حاصرتنا الجهات...وضاقت بنا العبارات، فنستظل بأشجاره، ونسافر في مداه المفتوح على زرقة البحر، ومباهج اللغة و تفاصيل الدهشة،وحالات يمتزج فيها الجنون بالكتابة، والكتابة بالجنون، لأن الحياة بلا شعر مجرد فراغات باردة. 

 

 ** منى ظاهر / شاعرة وكاتبة فلسطينية قيمة في الناصرة  (ورقة لألاءة من وحي ما أكتب) للشّعر احتفاليّته الغائرة فينا، ولحرفنا أن يتموسق طويلاً على أنغام عيده/عيدنا المنحفرة في عروق الأرض وخباياها. للشّعر فينا جرعات طافحاتٌ بمنسوبٍ عالٍ من الاحتضانِ الفاره لكلّ صرحٍ صامدٍ في القلبِ، ورجّاتٌ دافقات بماء الحياة. فِعلُه هو الشّعر انغماسٌ يتعتّق حدّ النّفَس في آخِرِ الآخِر، فيه وتيرةٌ عالية ليست بمهادنةٍ تهيِّجٌ الشّعيرات الدّقيقةَ للأعصاب؛ هي نبرات القصيدة المزَعْزِعَةِ/ المزلزلة لكلّ صرح مكتنز للكينونة، لأنّها الكلمات الآتية من المعدن الحقيقيّ الجوّانيّ فينا. يراها الشّاعر هي القصيدة في صُوَرٍ لا نهائيّةٍ؛ هو المطعونُ مع قارئه بِدَهْشَتِهِ في المواتِ فيها..صَمُوتٌُ يكونُ في حَضْرَتِها..يَرْتَكِنُ لِمَناخَاتِها القابِسَةِ المُلْهِبَةِ دواخِلهُ. ولا حَيْطَةَ لهُ معها..هي المتعدِّدَةُ المُتوَحِّدَةُ الرَّاقِصَةُ، الإلهةُ المُقَوِّضَةُ إيّاهُ في انثِيالِ الذّبولِ داخِلَ جِلدِه وجلدها. وتلك الشّاعرة تحيكُ خيوطَ الأفكارِ، الّتي لا تنخَضِمُ في قصيدتها، على مَغْزَلِها..تتجذّرُ الحياةُ مِنْ خلال قصيدتها ذات المرجعيّة لصلصال يعتري جسد الواقع من صيرورة وسيرورة حركة سياسة واجتماع ونفسٍ ووطن بانزياح جماليّ ورؤية صاخبة، كتَجَذُّرِ الزّعتَرِ البَرِّيِّ في صخْرِيَّةِ الأرضِ وَزَحْفِ تعرُّجاتِها. نوافيرُ حِكْمَةِ حياكة انفجاراتِ العمق في شعرهما تجلجل الذّات الفاقِدَة تدريجيًّا لِحُدودِها، لتندمغ تلك الذّات وتندغم في الكينونة العامّة بكلّ ما فيها من منظومات صغيرة وكبيرة. في الشّعر ضَوءٌ ألوهيّ يتدثّر في تأنٍّ كامِلِ العُذوبَةِ، يُقْبلُ على غيمَتِهِ الزّمن حينها رقيقًا هشًّا كبَشَرَةٍ حريريّة، يُقَبِّلُ في آلائِهِ كواكبه. وحينَ يحينُ الوقتُ، تنكبُّ النّفسُ الكاتبة في لا وعيها وتتوغّلُ في ذاتِها..وتبدأُ تحفِرُ نفقًا يتشكّلُ ضيّقًا متعَرِِّجًا وطويلاً، يرسِفُ بحروف وأشكال في أوّلِ السّطْرِ..لتصلَ النّفسُ إلى مَنْجَمٍ صغيرٍ هو الوطَنُ الخالص لكيان يتدفّق خارجًا على شكل نصّ ينبض في قصيدة.وأيضًا: مِنَ الكيسِ الشّفّافِ لستارة السّماء، يعلو صوت فحيحٍ النّبرات ليتسلّق من قيعانِ شقوقِ الخميرة العميقة للرّوح.. يتأرجحُ الصّوتُ حروفَ خيول مبتهلة بتخييل جادٍّ، يتدرّجُ تَفَتُّحَ الزّهر والجوهر..يرتفعُ الكيسُ تحمِلُهُ أحلامٌ منسيّاتٌ ومتأهّبات..يصعدُ، يتسرَّبُ حشرةً ضوئيّةً، حيث تنيرُ هي القصيدة العتماتِ ظلالاً تُبَلِّلُ السّحابَ ليرقُصَ المطرُ المعبَّأ في الكلمات بمعنى تحقّق الحياة.أفكارُها القصيدة خبيئةٌ لا تُرْجَأُ، بل تَجْأَرُ وتتوهَّجُ.. تَنْتَفِشُ وتنتَزِعُ مِلاءَةَ الوقتِ، تَفْتَرِشُ أَرَقَ النَّفْسِ وَتَعْتَصِرُ مطْحَنَةَ الجُهْدِ..تتهاوى حروفًا كَنُدَفِ الثَّلْجِ لِتُعَبِّرَ عَمّا يساوِرُها مِنْ خلالِ الشِّصِّ/ صاحِبِ المَلَكَةِ.تتعالَقُ الكلِماتُ وتتشَكَّلُ كَقِطْعَةٍ بديعَةٍ في فسيفساء لَدِنَةٍ، تَزْخَرُ بالأجزاءِ والمُرجان.ونَصِّي، أنا الشّاعرة، يفيقُ على جُمْلَتِهِ الأولى بأبْجَدِيَّةٍ يَشُفُّها الحنينُ للغَيْرِ متوقَّعٍ مِنْ مخالب تَلُوثُ، تتباطَأُ وتتعرّجُ في جَسَدٍ هائلٍ مِنْ ندى.وتكون جُثّةُ الحِبْرِ تصحو مِنْ أَجْلِ مَعْناها،ومن أَجْلِ معْناها تتوالَدُ الأفعالُ ليكون ليلك الشّعر وإيّانا بألق دهشةٍ ووميض سحر.

 

 ** مرح البقاعي/ شاعرة وكاتبة وإعلامية سورية أمريكية مقيمة في واشنطن (عن الشعر لحظة وهجه)  الشعر نبض العصب الواهج وانتباهة الروح إلى عوالم قد تتسع وتضيق قياسا إلى حجم فكرة.يبدأ الشعر عادة بصعقة كهربائية في سيالة العصب، إلا أنه لا يتبلور في قالب القصيدة إلا إثر نحت لغوي و بياني في جسم النصهذا الأمر يتطلب تنقيبا في أوراقنا المعرفية والثقافية من جهة، وسبرا حسيا عميقا لمخزون اللغة ومكنوناتها الجمالية والحسية بما يخدم دفق السيالة العصبية للقصيدة، ويحدد مسارها البياني. العملية الشعرية قد تكون مرادفة، من حيث نزوع الطاقة والتأهب، لعملية الحب.. فكلاهما يهاجم الروح التائقة وكلاهما يثمر جمالا ورؤى لا تُحد. الارتباط بالكتابة الشعرية يكاد أن يوازي المرجعية إلى الحبل السري. فالقصيدة نسغ يجري في عروق الشاعر ويضخ أوكسجينه في رئتيه.وحين تنفلت القصيدة على الورق وتثبت الرؤيا يبدأ العد التنازلي للحظة توليد الكلمة من رحم المعنى. ولأنه كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة يأتي الشعر ليختزل لحظات مكثفة في الزمان العارم بتقلباته الحسية والنفسانية المديدة. 

 

 ** فاطمة بوهراكة/ شاعرة مغربية  (أرجو أن تكون عولمة الشعر ارتقاء بالفرد وليست طمسا لهويته) إن الاحتفال باليوم العالمي للشعر هو احتفال بكل شعراء العالم باختلاف دياناتهم واديولوجياتهم ولغاتهم ومذاهبهم وهو دليل قاطع على أن الشعر يسمو على كل هذه الأمور ليرتقي بالشاعر العالمي بشكل جيد. نحتفل للشعر ولا شيء غير الشعر لنخلده كما هو مخلّد في ذواتنا المبدعة التي لا تستطيع العيش دون إكتواءاته ولدغاته العسيرة. ولعل أجمل ما جادت به علينا جمعية بيت الشعر في المغرب هو هذا الاحتفال الرسمي العالمي الذي يوحد الشعراء قلبا وقالبا ويشحنهم جميعا للاحتفال البهي بهذا الشعر/الشعور في زمن احتلته جيوش الماديات والإغراءات على حساب الوجدان. ولا يمكنني في هذا اليوم إلا أن أكون سعيدة رفقة زملائي عبر العالم بهذا الاحتفال/ الحدث الذي يجمعنا مرة في السنة وإن كنت أرجو أن نجتمع شعرا  كل أيام السنة، فذلك يعني أننا سنبقى آدميون طوال العمر وليس فقط مرة في السنة. في الختام لا يمكنني أن أنسى تقديم الشكر الجزيل لكل الجمعيات والمنظمات العالمية التي تسعى بكل قواها من أجل ترسيخ مباديء الشعر السامي في هذه المجتمعات المهجنة تحت ما يسمى بالعولمة. فنرجو أن تكون عولمة الشعر ارتقاء بالفرد وليست طمسا لهويته الخاصة تحت تأثير ما هو سياسي واقتصادي. وكل عام وأنتم والعالم شعرا. 

 

** أسماء صقر القاسمي/ شاعرة إماراتية  (الشعر والشاعر والتهميش) إن الاحتفال باليوم العالمي للشعر هو احتفال بالبشرية وقيمتها العليا التي بدأت تنهار وللأسف مع هذا المد التكنولوجي الخطير ، الشيء الذي نتج عنه شعوبا تعيش في مدارات الماديات بشكل كبير تاركة مجال الأحاسيس والشعور ، ليأتي هذا الاحتفال توطيدا لعلاقة الإنسان بذاته من جهة وبين وجدانه من جهة أخرى. فبعد أن كان الشعر/الشاعر سيد قبيلته أيام الازدهار الفكري لدى الشعوب العربية التي كانت تحتفل بولادته بين القبيلة بشكل من العظمة والتبجيل وتتباهى به أمام باقي القبائل بشكل يومي ، أصبح الشعر/الشاعر في زمننا هذا شيئا ثانويا مهمشا على الرف الشيء الذي استدعى ضرورة إيجاد طريقة لإحيائه من جديد ، فكانت هذه الطريقة هي الاحتفال السنوي بهذه الذكرى. ولعل الارتقاء بالفكر العربي وبمكانته رهين بارتقاء الأدباء بصفة عامة والشعراء بصفة خاصة لأنهم كما ذكر السلف الصالح مرآة مجتمعاتهم ومن خلال نصوصهم يمكننا التعرف أكثر على تاريخ الشعوب السالفة. بشكل أكثر دقة. في الختام أرجو أن تصبح أمتنا العربية أمة خير وتقدم بهذه المناسبة العزيزة وكل عام وأنتم شعراء.                                                                           

 

 ** بدرية الوهيبي / شاعرة عمانية(سيد المنتهى)الشعرُ..جسمٌ نورانيّ لا نراه يسكننا حتى لكأننا هو..ولكأنه نحن..زهرةٌ بريةٌ تنشد الخلاص والخلود..هو ربما سيّد المنتهى..ونحن قيوده المطلقة..أو (ربما) هو (سيّد الابتداء ونحن مطلقه المقيّّد)..بسيطٌ..وغامض..ومراوغ..ولا يمكن الوصول إليه وكشف حجبه وأستاره إلا بالتوحّد به وهذا هو المستحيل بعينه!!..الشعر قدَرُنا الذي لا يخطؤنا.. 

 

** عبد الستار نور علي / شاعر عراقي مقيم في السويد  (الشعر نظاماً روحياً وأداةً) أنْ تكونَ شاعراً يعني أن تحترق بنار الكلمة، وتفجر مكامن ما في الروح إضاءةً لتنوير الكون بألق الحرف المصبوغ بدم القلب وماء العين ونزوع الفكر.الشعر انفتاح على الفضاء الرحيب في تكوينه السرمدي، وسياحة في رحاب العالم  بكل ما يضطرب في أصقاعه وما يموج من إرهاصات في روح الانسان وما حوله.قيلَ أن الشعر نشأ من إيقاعات رقص الإنسان الأول حول النار، لتجتمع الأصوات المنطلقة من أفواه الراقصين فتتجمع في كلمات على إيقاع الرقص والطبول. ومنه تكونت القصيدة موزونة بايقاعات الراقصين لتعبر عن خلجات النفس وتهويمات الروح وتأجيج العواطف والمشاعر البدائية في الاحتفالات الدينية.القصيدة إذن وليدة لحظات التوتر. لذا تحمل شحنة لحظة الولادة بكل ما فيها من إرهاصات ومخاضات وتجربة حياتية تدفع الشاعر إلى الغياب عما حوله ليغوص داخل الذات مستخرجاً ما فيها من مخزون يتفجر ليندفع إلى الفضاء.وقد اُستخدمَ الشعرُ أيضاً لسهولة حفظه وأهمية تأثيره في الناس أداةً في أرشفة الأحداث الكبرى التي مرت بالبشرية منذ نشأتها البكر، ليسجل الإنسان من خلاله تاريخه وما مرَّ به من مؤثرات كبرى غيّرت مجرى حياته وحياة مَنْ حوله، وكذلك التغييرات في الجغرافية البشرية، وذلك بقصائد وقصص وملاحم دخلت فيها المخيلة الإنسانية الواسعة لتضيف من عندياتها ما دفعها الى أنْ تنسج أعظم وأكبر ما مرّت من أحداث وحروب وصراعات في التاريخ البشري، ممزوجة بالأساطير والمبالغات حلماً راود الإنسان في بحثه الدائم عن هويته ومعنى وجوده ومضمون خلق الكون.إضافة إلى ذلك فإن الشعر قد أرّخ للفكر والعقيدة والروح والإيمان الإنساني عبر تاريخه الطويل، البدائي منه والديني السماوي اللاحق، وذلك ما نلحظه في الشعر القصصي الملحمي القديم، والشعر المسرحي، والقصائد الدينية التي نظمها الشعراء المسلمون قديماً وحديثاً. وفي هذا الخضم الهائل لدور الشعر في الحياة البشرية عمل السلاطين والخلفاء وأولو الأمر أنْ يجعلوا من الشعر بوقاً في المديح والتأريخ المزور لمنجزاتهم التي أبتلي بها رعاياهم وتبييض صفحاتهم السود في نشر الظلم والقهر والإضطهاد، ليجعلوا من الشعر مهنة للتكسب، ومن الشعراء مجاميع من المرتزقة المداحين الواقفين على أبوابهم. وهو ما دفع المتصوفة إلى أنْ يجعلوا من الشعر أداة وغذاءاً روحياً معبراً عن وجدياتهم وما يضطرب في نفوسهم من شوق صوفي وزهد عن ملذات الحياة والغياب في الله بعيداً عن مغريات الدنيا.وفي مقاربات الشعرية جهد الإنسان في العصر الحديث أنْ يستخدمَ الشعر سلاحاً فعالاً عميق التأثير والانتشار في ما يسميه معركته في الصراع من أجل حريته وحرية وطنه، أو في الترويج لمبادئه والنظام السياسي الذي يقوده لينشأ لدينا ما أصطلح على تسميته بالشعر السياسي الذي إنتشر بشكل واسع ملفت للنظر. وهو أيضاً ما حفز الكثير من الشعراء ليعبروا بالشعر عن رفضهم لما يجري في الكون من ظلم واضطهاد وقهر وطغيان، مدافعين عن الإنسان وحقه في الحياة الحرة الكريمة، متألماً لألمه، وفرحاً لفرحه. وقد قال الشاعر الاسباني الخالد لوركا:"على الشاعر أنْ ييكي ويبتسم مع شعبه."لكن في خضم هذه الاستخدامات للشعر والمواقف من دوره كأداة فعالة في الحياة يبقى الشعر عند الكثيرين هو في معناه كحالة شعورية وفعل حسي إنساني يعبر عن الذات ودواخلها وانفعالاتها وتجاربها الخاصة، وليس كأداة خارج الذات. فليس من مهمته أن يأخذ مكان وسائل الإعلام التي وجدت لتلك الأغراض التي ذكرناها، كتأريخ وتحفيز ودعاية لفكر أو تسجيل لحدث ما. إن إحتفالية يوم الشعر العالمي هي ملتقى لشعراء العالم ليتعارفوا، ويتبادلوا الخبرات والتراكميات التجاربية المبنية على الموروث الثقافي للشعر في كل أمة من أمم الأرض عبر مفهوم كلٍّ منها للشعر ودوره. فتمتزج كلها ربما في إضفاء معنى ومضمون عالمي جديد للشعر من خلال إمتزاج هذه التجارب المختلفة، وخاصة والعالم أصبح قرية صغيرة لا توجد فيها أماكن متباعدة تحتاج إلى زمن لتلتقي عبر ساكنيها. فإن عالم الأنترنيت قرّب الإنسان من أخيه الإنسان وفي لمح البصر يلتقيان عبر الشاشة الصغيرة يتبادلان التجارب والأفكار والأحلام. إن احتفالية الشعر هذه فرصة لهذا التجمع العالمي للأنتلجنسيا الأدبية الثقافية للخروج بمفهوم التبادليات والالتقاءات الروحية والحسية العالية الشفافية المتمثلة بالشعر، وهي أقرب الأدوات الإنسانية في التلاقي لا الصراع. 

 

بإذن من جريدة النصر الجزائرية في 24 مارس 2009 

 

 
© 2009 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الوارف للدراسات الإنسانية
الكتابات المنشورة على موقع الوارف خاصة بالمعهد، في حال الاقتباس أو النقل عن الموقع يرجى ذكر المصدر المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة توجّه المعهد، في حين تمثل وجهة نظر كاتبيها