الرئيسية وارف الأدب والفن مسرح القسوة: نهاية الأرض نموذجاَ

دراسات ميدانية





مسرح القسوة: نهاية الأرض نموذجاَ PDF طباعة البريد الإلكترونى
 

كتب نارت عبد الكريم
خاص وارف الأدب والفن
ليس هنالك ألمٌ أقسى على النفس البشرية من قلق الأسئلة المفتوحة و نوازع الشك التي قد  تضطرم في قلب الإنسان فجأةً، فيعجز عن إيجاد الأجوبة و الوصول إلى ضفة اليقين، لا لأنه غافل أو هارب،  بل لأنه في قمة اليقظة و الاندهاش، فما الذي عرضه جانتي في "نهاية الأراضي"،أهو مسرح أم سينما أم انه حلم طويل آسر؟

من أيّ فضاء انتزع  موضوعه و صوره و "حكايته" و كيف توصل إلى تجسيد  اللاوعي على خشبة المسرح  بحرفية و أداء عالٍ؟ هذا اللاوعي الذي يصفه اريك فروم في كتابه" فرويد وبوذا" بأنه الإنسان الكامل مطروحا منه ذلك الجزء من الإنسان الذي يتماشى مع مجتمعه، في حين يمثل الوعي، الإنسان الاجتماعي و الحدود الظرفية التي يفرضها الوضع التاريخي الذي يجد الفرد نفسه فيه، فإن اللاوعي يمثل الإنسان الكلي المتجذر في الكون كما يمثل الكوكب في الإنسان و الحيوان فيه والروح فيه و يمثل ماضيه وصولا إلى فجر الوجود البشري...

 

     آياً يكن فإن جانتي لم يدخلنا في رحلة إلى عالم مفتوح على الشكوك و التساؤلات كما ادعى، بل  أعاد  أيقاظ  تلك التساؤلات و الشكوك و المخاوف المنسية منذ زمن بعيد جداً في دواخلنا و في قعر أرواحنا التي طُمست بالأقنعة  و الألوان، معتمداً على أدواته الخاصة و فهمه المختلف للمسرح و دوره، ففي لقاءه مع الصحفيين بعد عرض عمله الأخير" نهاية الأراضي" في دمشق، تحدث جانتي عن تأثره بدمى البونراكو اليابانية التي عمل على إخراجها من الصيغة الفلكلورية التراثية و على تطوير المادة التي تصنع منها هذه الدمى و الأشكال التي تأخذها لتكون ذات فعالية كبيرة في مسرحه، مؤكداً انتماءه إلى مسرح القسوة الذي يمثله المخرج الفرنسي "انطونان ارتو" الذي لخص  مفهومه عن المسرح في كتابه" المسرح و قرينه" بما هو مسرح القسوة و اللاوعي الجمعي بقوله: إن المشاهد الذي يذهب إلى المسرح ينبغي أن يعرف انه مقبل على عملية حقيقية يشترك فيها بروحه و جسده،  كأنها عملية جراحية، و ينبغي ألا ينصرف كما جاء.

 

    "نهاية الأراضي"  عملٌ مسرحي من اقتراح فيليب جانتي و مصممة الرقص ماري أندروود، يقوم على حكاية لقاء شخصين, امرأة منعزلة في فقاعتها و رجل يحاول التواصل معها و كسر هذه العزلة الموحشة، و على خشبات المسرح و عوالمه ينبثق الممثلون و الراقصون و محركو الدمى من الظل أو يغرقون في اللجة، فلا وجود للكواليس المسرحية في عروض جانتي لأن الشخصيات التي يحلمها لا تخرج أو تغيب، إنها حاضرة و مختفية  في آن معا، فهو القائل: نحن في أحلامنا لا نرى أحداً يدخل من الأطراف أو الكواليس، يجب على الشخصيات أن تبزغ بشكل صادم و تتحول و تمسخ تماماً كما في الصور الحلمية. من المعروف أن جانتي يمتلك فهماً مختلفاً لفضاء المسرح و الجمهور، الذي يعتبره "وضعية اصطناعية" فالعرض المسرحي وفقاً لرؤية جانتي يسعى لإقامة علاقة مختلفة مع الجمهور، تنقله من حيز المراقبة السلبية إلى فضاء اللاوعي الجمعي الذي يمثله المسرح. مستعيناً بالدمى كأداة تعبيرية تساعده في تحقيق هدفه حيث يرى أن الدمية تعمل على مستويين، الأول هو اللاوعي"في بنيتنا النفسية نملك جميعا مخزونا من الأسطورة و الخرافة و الوثنية و هذا يعود إلى فجر الزمان منذ كانت البشرية وثنية، لذلك يبقى المخزون الوثني يرشح إلى وعينا، هذه المساحة من اللاوعي علينا تغذيتها بين الفينة و الأخرى، و الدمية وسيلة في تحفيز اللاوعي و مكنوناته" أما المستوى الثاني فهو التوجه إلى الوعي عبر الاستعارة" الدمية عنصر استعارة و هذه إحدى المظاهر التي تثير الاهتمام لاستخدامها " . 
  يرتكز جانتي في لغته الخاصة على قراءاته المكثفة لأدبيات التحليل النفسي التي يعتبرها مصدرا أساسياً و جوهرياً في عمله و دون أن يظهر ذلك على المسرح، حيث يؤكد على أن العرض المسرحي يجب ألا يكون عبارة عن مخطط في علم النفس، فالفن يتجاوز الوضعية العلمية، و الفضاء المسرحي هو فضاء اللاوعي " الخشبة ليست مكاناً للواقع إنما لما يتجاوز الواقع" فهو مرتبط  بأحلامه العقلية الشخصية، ساعياً من خلالها لإقامة السلام مع وحوشه وشياطينه الداخلية التي تظهر في عروضه على هيئة دمى حيوانية شرسة أو حشرات ضخمة بدلالات جنسية فاقعة، هذا السلام مع الداخل كما يقول جانتي، نستطيع سحبه ليكون سلاماً مع العالم الخارجي.   

   فمسرح القسوة ليس مجرد تمثيل و تقليد بل هو عودة إلى الجذور الاحتفالية الفطرية و الطقوس البدائية و السحرية، بهدف تحرير الإنسان من غرائزه السلبية المتأصلة فيه، ومن مشاعره العدوانية الكامنة والمختفية في وعيه الباطني على مستوى اللاشعور الجمعي، حيث يسعى جانتي لتحريض و نبش هذا اللاشعور و هو في ذلك يلتقي مع" ارتو" الذي شبهه المسرح بالطاعون مستنداً في شرح فكرته عن صيغة المسرح الذي يدعو إليه، إلى ما حصل أثناء الوباء الذي اجتاح مدينة مرسيليا في فرنسا عام 1730م وأدى إلى نسف النظام والمجتمع والجسد، فكان نوعاً من التطهير، بمعنى أن الطاعون نسف بنية الماضي كلية وخلق شيئاً جديداً.

 

و لأجل ذلك يبني جانتي عالماً شديد الخصوصية على خشبته من الناحية التقنية و الفنية تزدحم فيه عناصر الإبهار البصري و الدمى المتحركة و ألعاب الخفة بالإضافة إلى الإضاءة التي تغني المشهدية البصرية فيحيلنا في بعض المشاهد إلى عالم الرسوم المتحركة و في مشاهد أخرى إلى عالم السينما، لاسيما في تلك اللوحات التي قلص فيها فضاء الخشبة إلى نافذة صغيرة، يعرض من خلالها احد الأحلام و كأنه فيلم قصير، مستخدما أعمدة و حواجز تتحرك على خشبة المسرح فتقسم الخشبة إلى فضاءات متعددة.  فالسيناريو عند جانتي  قائم على الصورة و الحركة و ليس الكلمات، لان هذه الأخيرة عاجزة عن محاكاة أخيلته الجامحة و أشكال الهوس المرادفة لأحجامها الحلمية التي يجسدها على الخشبة، و لذلك  يستعين بكائنات قادرة وقوية لاسيما تلك الدمية التي استقاها من أحلام ابنته الصغيرة عن العناكب التي تراها في نومها، مما أوحى له بتلك الأشكال الهائلة ذات الأعضاء الجنسية البشرية، لنشاهد أربعة من محركي الدمى ينقضون عبر مجسات الحشرة على الفتاة الراقصة، منتهيا هذا المشهد السادي، العنيف و الحميمي في آن معا بتغليف الفتاة، و تحضيرها للافتراس.

 

 

  إن انزياح جانتي عن المسرح الأوروبي و تمرده على الشعرية الأرسطية بتبنيه مقولة "المسرح مكان اللاوعي"  مشيراً من خلالها إلى النزاعات و الهواجس الداخلية لدى الكائن البشري، أوصله إلى مساحات لا تخلو من الخطورة، فكثير من الممثلين الذين عملوا مع جانتي وصلوا إلى مستويات لا رجعه عنها في الاكتئاب و العصاب أو اضطروا للجوء للعزلة التامة لترميم ما أصاب كيانهم النفسي من تلف و تصدع. حيث لا يخفى على احد أن هذه الأعمال المسرحية التي تتناول مواضيع عالية الحساسية و مغرقة بالذاتية تحتاج إلى يقين صلب و توازن داخلي راسخ لدى الممثلين حتى لا يقعوا في الشك و الحيرة و الارتباك و لاسيما أنهم يعملون على تجسيد أحلام نفسية و هواجس لاشعورية جمعيه.  

 

و لا وجود لحبكة بمعنى الكلمة في عمل جانتي-  منذ المشهد الأول حين جلس الراقص، الرجل الورقي، خلف الكمبيوتر و من ثم تحول إلى كائن حي من جسد و مشاعر، إلى حيث يغرق الممثلون في البحر-  بل لمشاهد تُولد و تختفي، كما صراع الضباب و الشمس.  صراعٌ هادر يقبع في اللاوعي حيث لا جدران و لا حواجز و لا قواعد أو منطق، صراع أخرجه جانتي إلى العلن مازجاً العبث و الخيال و السحر بالرمز و الأسطورة، مسلطاً الضوء و بقوة على أعماق الإنسان المتشظية بين المعنى و اللامعنى بين الهروب و الإقدام، بين العدم و الوجود..  


 
تلك المشاهد  القاسية و المؤلمة عن عزلة الإنسان الحديث و هواجسه، تذكرنا بقصيدة الضباب التي يصف فيها "هرمان هسه" العزلة و آلامها:  غريبٌ أن تهيم في الضباب! دغلٌ وحيد، حجرٌ وحيد لا شجرة ترى شجرة أخرى و الفرد وحيد تماماً....  غريبٌ أن تهيم في الضباب! الحياة عزلة لا أحد يعرف الآخر

و الفرد وحيد تماما...... 

 

إن جانتي في عمله الذي هو رحلة نحو الداخل و المكرس للاضطرابات الانفعالية و العقلية للفرد في المجتمع الحديث، قادنا إلى قمة البركان لنحدق في الفوهة التي تغلي في دواخلنا بلا دفاعات أو حواجز.عملٌ يدفع إلى الكآبة أو الجنون بإيقاظه لمكنونات الأعماق، فهو  حكاية اضمحلال الإنسان و نهايته، لا نهاية الأراضي فقط،  حكاية تحول الإنسان إلى إشارة و رقم أو مجرد شاخصة، كما في مشهد المحطة حيث ينتظر المسافر  القطار و عندما يأتي يحتار و يتوه و يتماهى مع  الإشارات و الأسهم المتعددة الاتجاهات. العمل يتضمن إدانة للعقل الغربي و نمط الحياة العصرية، حيث تم تدمير الإنسان و استلابه و تحويله إلى مجرد كائن منتج، مرتبط بالمظاهر السطحية فقط، إنها، أي المسرحية، قصة توهان الإنسان الحديث المنفصل عن الآخر و الملتصق بالأشياء، إنها رواية العزلة و لعنة العزلة، و ضياع الإنسان بين القناع و الروح؟؟   

  

 
© 2009 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الوارف للدراسات الإنسانية
الكتابات المنشورة على موقع الوارف خاصة بالمعهد، في حال الاقتباس أو النقل عن الموقع يرجى ذكر المصدر المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة توجّه المعهد، في حين تمثل وجهة نظر كاتبيها