من المؤلم الاعتراف بأن الشعر العربي له زمن أو يرتبط بمرحلة من المراحل صعودا أو هبوطا، رواجا أو كسادا مثل بقية البضائع أو الحاجيات أو السلع أو كنوع من الموضة التي تأخذ حيزا من اهتمامات الناس ثم "تبطل " بظهور موضة جديدة وهكذا...
مما يعني أن زمن الشعر لا ينتهي ولكنه يتعرض لنوع من النكسات أو الهزائم أو المؤامرات، لكونه يشكل المعين الحقيقي لمجرى أنهار الابداع في وطننا العربي، خصوصا وأنه شكل على مدى عصور هوية قومية للعرب وأصبح ديوانهم الأول وقد يكون الأخير.
أما مسألة الانحسار فأسبابها كثيرة وفي رأيي أنها لا تنفصل عما يتعرض له الوطن العربي سياسيا وعسكريا على يد أعدائه من غزوات ضد اللغة العربية وضد تراث هذه الأمة وتاريخها وانجازاتها العلمية والثقافية، ومن أهمها الشعر الذي يمكن أن نضيف إليه المزيد من الأدوار في كونه ديوان العرب والشاهد على انجازاتهم عبر التاريخ ولسانهم المعبر عن أحوالهم في كل العصور.
البشرية تحتاج شعرا جذابا ومواكبا
الشاعر السوري ( فرج بيرقدار) المقيم في السويد يرى أن الشعر يعيش في أزمة ومحنة عالمية:
لا طائل من الحنين إلى أيام سوق عكاظ، حين كان الشعر هو الراوي الأجمل أو الأبرز أو الأوحد. تغيرت الأمور والدهور وتنوَّعت الفنون واهتمامات الناس، وصار الشعر أحد المعروضات التي ينبغي أن تدافع عن نفسها في سوق كونية مزدحمة بالبضائع والجماليات وتقنيات التسويق. مع ذلك ينبغي ألا ننسى أن الشعر وجمهور الشعر، قبل رحيل جسد محمود درويش مثلاً، كان بخير، وهو ما زال بخير مع شعراء آخرين ما زالوا أحياء. صحيح أن الرواية عموماً أكثر جاذبية الآن من الشعر، وأعتقد أن العديد من الجوانب فيما تتيحه الانترنت أكثر جاذبية من الرواية أيضاً. ولكن رغم ارتفاع أسهم الرواية قياساً إلى الشعر، ربما أوروبياً أكثر منه عربياً، إلا أن المؤسسات الأوروبية بدأت تدرك أن الأجيال الشابة تميل إلى تلبيات الإنترنت السريعة أكثر من الكتاب الذي يحتاج إلى قدر من الصبر والتركيز. لهذا بدأت مجموعة من الدول الأوروبية بمشروع أسموه "شهرزاد.. قصص من أجل الحياة". ينطوي المشروع في أحد جوانبه على إنجاز ألف قصة وقصة قصيرة ديجيتل "رقمية" حول حقوق الإنسان وحرية التعبير، على ألا يتجاوز زمن عرض القصة على الإنترنت مدة دقيقتين، وذلك لقناعتهم أن الأجيال الجديدة لم تعد تلتفت إلى مثل هذه الأمور أو لم يعد إيقاع حياتها يسمح لها بقراءة ممضة للكتب السميكة التي تتحدث عن تلك المواضيع. البعض يتحدث عن محنة عالمية للشعر وليس عربية فقط. وقد كنت أميل بدرجة ما إلى هذا الرأي على صعيد أوروبا بخاصة إلى أن حضرت مطلع سنة 2009، في مسرح ستوكهولم الجنوبي، أمسية شعرية للشاعر السويدي برونو كو أويَر. نفدت البطاقات قبل شهرين من موعد الأمسية، على الرغم من أن سعر البطاقة كان حوالي 50 دولاراً. لا أعتقد أن هناك روائياً في العالم حظي بما حظي به برونو من اهتمام الجمهور وحماسه وتفاعله وتصفيقه في تلك الأمسية. أخيراً ينبغي علي القول أنني لم أشعر بهذه المشكلة لا قبل اعتقالي ولا بعده حين قرأت في دمشق وعمَّان وبيروت، ولم أشعر بها أيضاً حين قرأت في أوروبا. البشرية لم تتخلَّ بعد عن الشعر، فهو ما زال سر روحها وأحلامها وخيالاتها.. ولكن البشرية تريد شعراً مواكباً أو يمتلك إمكانية شدها أو اقتناصها.
الأزمة في الإبداع وهوّة المسافة
الشاعر المصري ( شريف الشافعي) المقيم في السعودية ينادي الى تحطيم المسافة الروحية الذاتية ليصل الى القارئ:
الشعر قادر على أن يحيا، بل أن يصبح "حياة بديلة"، بشرط أن يكون هو نفسه "شعر حياة"، لديه القدرة على النبض الطبيعي، والحركة الحرة، بدون أجهزة إعاشة وأسطوانات أوكسجين وأطراف صناعية. الأزمة أزمة إبداع في الأساس، فقبل أن نطالب بأن يعود الشعر خبزًا للقراء، ملقين باللوم على الشروط والعوامل المساعدة، يجب أن يلغي الشاعر أولاً المسافة بينه وبين نفسه، وبالتالي تذوب المسافة بينه وبين قارئه، وتخترق قصائده كل الحدود، بقوتها الذاتية.أيّ تحليقٍ نرجوه لطائر الشعر، وقد راح الشاعر يخاطب قارئه ـ عفوًا نفسه ـ عبر وسيط، ويرى الحياة من خلال تليسكوبات، مع أنها أقرب إليه من الوريد؟! لقد "تألينتْ" رؤية العالم، وكذلك "تشكيله" أو "إعادة صياغته" كما يقال، فحلّت الأغذية المعقدة (الطبخات الشعرية) المليئة بمكسبات الطعم والألوان الإضافية والمواد الحافظة، محل الصحي المستساغ المؤثر، الأقرب إلى الفطرة والتلقائية، وهو الذي يترفع عنه البلاغيون ذوو المفاهيم المعلبة! وعلى الجانب الآخر، أغرت "البساطةُ" محدودي الموهبة، فأسالوا الأحبار، متناسين أن الأقلام يجب أن تُملأ من بئر الشعرية الخام.إن المدعوين "شعراء" قتلوا أنفسهم حديثًا عن الإطارات والقضايا الشكلانية وحروب الأجيال، تصارعوا لتمثيل بلادهم في المهرجانات العربية والدولية، تجادلوا بحماس حول كل شيء، ولم يلتفت أحد إلى الشعر نفسه! لقد حضرت الأشكال الشعرية كلها، وحضر مئات الشعراء، وصدرت آلاف الدواوين، وغاب الشعر نفسه في أغلبية الأحيان! إن عافية الشعر العربي مرهونة ببزوغ شعر رفيع كبير، يتحدث بأبجدية جديدة لها لون وطعم ورائحة العصر، شعر تتصالح فيه الأجيال والتيارات المتناحرة، ويبحر فيه القارئ العادي والمتخصص، فيجد شيئًا من بصمات روحه، ويستشعر نبشًا في أعماقه الإنسانية، ووهجًا في فصوص مخه. شعر يتجاوز التصنيفات المحنطة، والأطر الجامدة، ليفرض هو مذهبيته المرنة على المشهد. شعر ينبني على ما فردي خالص، وعلى المشترك الإنساني العميق في قريتنا الكونية، متجاوزًا الطرح العارض الزائل من قضايا سياسية واجتماعية وما شابهها.
الشعر رافد من روافد الحياة
الشاعرة اللبنانية ( سمر دياب) المقيمة في اسبانيا تتنفس الشعر في وجوديتها وألوانها:
خلافا للأراء السائدة لاأرى أن الشعر في انحدار كما لم يكن يوما في صعود . ربما المعضلة التي تواجهنا جميعا حين تحتدم الآراء من حولنا عن الشعر و انحداره هي نفس المعضلة التي تواجهنا حين نحاول تعريف كلمة شعر . ماهو الشعر .. هل هو ما يريد الآخر أن يسمعه ؟ هل هو مجرد صدى تردده نفس هي بحد ذاتها صدى للآخرين ؟هل الشعر كينونة أم تكوين كي نطلق عليه أحكاماً من طراز انحدار و تراجع ونستميت بتأنيب هذا الكائن الذي فجأة انتبهنا أنه لم يعد مجرد عبد نهشّ عليه بالعصا ليقدم خدماته طائعاٌ مثاباٌ . الشعر كالهواء وكالتراب والماء و النار، هو عنصر من عناصر هذه الأرض و معدنها ومعناها فكيف يمكن للوجود أن يخفت أو يحتدم ؟ الاشكالية هنا ليست في تراجع الشعر بمعناه الوجودي الاشكالي بدوره، بل في حضوره كرافد من روافد الثقافة والحياة عند الآخر اللاشاعر، بنظرة سريعة إلى جمهور الشعر الجماهيري الذي انتهى بموت درويش نجد أنه لم يكن الشعر ما يهم يوما عند الأخر بقدر ما كان يهم صوته الذي يسمعه بحنجرة أخرى، الجميع يحفظ *سجّل أنا عربي* لكن كم عدد الذين يحفظون و يعرفون درويش الجديد ؟ لا زمن للشعر كي يولّي فهو ليس نتاج أزمنة ولا أمكنة و لا حقبات ولا قضايا آنية مزاجية لكن الإنسان الإستهلاكي الجديد بكل ماديته المقززة وخفّته التي تدعو للسخرية والألم، بات أبلد بكثير من أن ينظر إلى غيمة الروح وإن فعل فهو ينتظر مقابلا لايقلّ بلادة و سخرية وألما ً، كأن يُكافأ على ذلك بجعل الشعراء أحصنة سباق خاسرة مسبقاً في حلبة الألقاب والجوائز. قد يكون اليوم هو يوم الرواية لأسباب لا يتسع المجال لذكرها الآن، لكني أؤمن بشدة أننا سنكون أول من يطلق رصاصة اللارحمة على الشعر إن حشرناه في زمن أو في جيل أو حتى إن قارناه بأي نوع أدبي آخر، فهو ليس مجرد صيغة أدبية للتعبير قابلة للخفوت أو للاشتعال، هو ببساطة تلك البئر المشتعلة في داخلنا كل دقيقة على مرّ الزمان و العصور.
الشعر بحاجة للتنفس وقوة التعبير ورسم التفاصيل
الشاعر العراقي ( يحيى السماوي ) المقيم في أستراليا يتمنى لو بقيت القصيدة ثورية تحكي مأساة الشعوب:
الشعر سيبقى طالما بقيت مشاعر الحزن أو الفرح تعانق ليل الانسان وصباحاته ـ وبخاصة لنا نحن العرب لأن الشعر يمثل وجهنا الحضاري المعرفي ، فنحن أمة بلاغة وبيان ، وليس كالأمة الإيطالية مثلا ألتي يمثل النحت والرسم وجهها الحضاري المعرفي ، أو اليونانية التي يمثل المسرح والفلسفة عمقها الحضاري .. ستبقى الأم تهدهد طفلها وتناغيه شعرا .. والعاشق سيبقى ينسج من حرير الشعر منديل عشقه للحبيبة ... وسيبقى الموجوع يستنجد بالشعر لإطفاء جمرة آهاته .. والثوري سيبقى يستشهد بالشعر وهو يحرّض الجماهير للثورة ضد الطواغيت ... قد ينحسرُ نهره ـ لكنه لن ينضب أبدا ... أما لماذا انحسر هذا النهر حاليا ، فذلك كما اعتقد ، لأن عصرنا ليس عصرا رومانسيا ، وليس عصر تحرير وطني ... هو عصر الردة الدولية وسرقة ثروات الأوطان بدعوى تحرير شعوبها ... وهو أيضا عصر القوة الغاشمة ... عصر " إسبارطة الجديدة " ... عصر اصبح فيه الجرح أكبر من الجسد ... وفي عصر كهذا ، لم يعد بمستطاع القصيدة رسم تفاصيل مآسي الشعوب بالشعر ـ إنما بالقصة أو الرواية لكونهما تنتهجان السرد ، وفي السرد فضاء واسع للإطناب والشرح والتحليل والإفاضة في شرح التفاصيل حتى الثانوية والهامشية منها ـ على العكس من الشعر الذي يعتمد على الإيجاز والاقتصاد في الكلمات وعلى الإلماحة والتورية وعدم التفصيل في الكلام ، خصوصا وأن شعرنا العربي هو شعر قصيرُ النفس وليس شعريا ملحميا ... لايوجد بين الشعراء العرب شعراء مثل فيرجيل أو هوميروس أو الفردوسي ليكتبوا ملاحم كالألياذة والأنياذة والشاهنامة .... نحن الشعراء العرب قلقون دائما ـ والشعر الملحمي القادر على الإطناب والإفاضة يحتاج شاعرا صبورا واسع الصدر لا شاعرا وجدانيا حالما تعصف به ريح القلق.
ويبقى الشعر زهرة الفصول
رغم ما يحدث للشعر، ورغم كل الإنحسارات التي يعيشها ، لكنه يظل سيد الفصول ، وشريان الإحساس والروح داخل كل مجالات الأدب ، ليسرح حتى إلى جسد الرواية والقصة والمسرح، وينفخ فيها الحياة الجميلة، لأنه نبض الإنسان ومرايا الزمن في كل الأوقات.