
| كتب نارت كريم خاص وارف الشباب "عندما يستخدم الشخص غير المناسب الأدوات المناسبة فإنها تعمل بطريقة غيرمناسبة. وعندما يستخدم الشخص المناسب الأدوات غير المناسبة فإنها تعمل بطريقة مناسبة. ( لاوتسوـ مؤسس فلسفة التاو الصينية) |
هنالك عملية مستمرة بنجاح و قبول تسعى للتخلص من آفة الشك و ولع السؤال ونوازع التغيير, وتؤدي إلى وأد الذات المتفرّدة وتعقيم براعم الإبداع والنبوغ، منذ الطفولة، تشارك بها المدرسة بتفان و إتقان، و بتمامها تكتمل عملية التشيؤ فتظهر على شاشة الحاسوب كلمة .!completed فما دور المدرسة وما وظيفتها بالأساس؟ وما حاجة الإنسان والمجتمع لها أصلاً؟ هل هي مؤسسة تدعم التطور وتنمي الإبداع عند الإنسان؟ أم أنها أداة قمع و امتثال؟ هل الغاية من المدرسة تحميل الطفل أطناناً من المعلومات ؟ أم الغاية من المدرسة تسليح الطفل بالمناهج العلمية و تنمية قدراته العقلية و النفسية و الروحية؟ تشير عبارة "لاوتسو" منذ القدم إلى ضرورة التركيز على جوهر الإنسان أولا, باعتباره عين الوجود، مسلطاً الضوء على لب المشكلة، بعيدا عن سطوة الأرقام و إيهام الظواهر ليضعنا في المركز ويأخذنا إلى المقدمات التي غالبا ما تختلط عند الكثيرين بالنتائج، فينتفي عندها الحد الفاصل بين الصفة و الموصوف، بين الذات و الموضوع، بين الغاية و الوسيلة، و بين المعنى و المبنى، فيعمُّ خطأ الإدراك بحيث يلتبس علينا الإصبع بالقمر الذي يدل عليه. تظهر آلاف الأبحاث والكتب والإحصائيات والبرامج التي تتحدث عن مناهج التربية والتعليم، القديمة منها والجديدة، وعن المدارس والجامعات وازدياد أعدادها المطرد، وعن علاقة المدرسة والجامعة بسوق العمل, والمتغيرات الكونية وضرورة الأخذ بالعلوم الحديثة وإتقان العمل على الحاسوب وبرامجه المتجددة دوما، وعن أهمية الدخول في عالم الميديا و الانترنت, ليجد الإنسان نفسه لاهثا خلف الأرقام والمتغيرات، يدور في فلكها، مكتفيا بالاستهلاك، فخورا بتبعيته لمنتجاته، مطمئناً بانتمائه إلى عالم يعترف به و يشبهه، ولكن في الوقت نفسه شاعرا باغتراب حقيقي عن ذاته. لأنه في كل واحد منّا كائنان- كما يقول دوركهايم- لا يمكن الفصل بينهما إلا على نحو تجريدي, أحدهما نتاج لكل الحالات الذهنية والوجدانية الخاصة بنا وبحياتنا الشخصية ورغباتنا وميولنا الأولى, هو ما نطلق عليه الكائن الفردي أو الذات، أما الكائن الآخر فهو نظام من الأفكار والمشاعر والعادات المكتسبة التي لا تعبر عن شخصيتنا الأصيلة بل عن شخصية الجماعة والمجتمع الذي ننتمي إليه كالعقائد الدينية والممارسات الأخلاقية والمنظومات الفكرية والتقاليد القومية والمشاعر الجمعية من أي نوع كانت، وهي تشكل في مجموعها الكائن الاجتماعي الآخر وبناء مثل هذا الكائن يمثل في نهاية المطاف هدف التربية وغايتها، و لكن هذا غالبا ما يتم على حساب الكائن الأول، أو الذات المتفردة، التي تضمحل شيئا فشيئا حتى تتلاشى ولا يبقى إلا الكائن الآخر، المطيع والفاقد لخصوصيته وروحه. وقد استطاعت المدرسة إنجاز تلك المهمة برضا ودعم وتشجيع من قبل الأهل والمجتمع معتمدة المناهج التلقينية والتقريرية، مستندة على سلطتين: الأولى هي سلطة المدرّس الذي لا يناقش، فهو امتداد لسلطة الأب المطلقة، والثانية هي سلطة المقرر المدرسي المقدس الذي لا يجوز الخروج أو حتى انتقاده. ففي ظل هذا الفقدان المضاعف للعلاقة الجدلية بين الطالب من جهة، و المدرس و المقرر من جهة أخرى، يتحول الطالب إلى مجرد وعاء جامد لحفظ المعلومات وتخزينها وليس أكثر من ذلك, ويُمارس هذا التعقيم، المقنع والسلس وغير المعلن، للإبداع في مدارسنا، باسم العلم وتارة باسم التربية والأخلاق و تارة أخرى باسم النجاح والمستقبل وبناء الإنسان الواعد!.
|