الرئيسية المجتمع المدني المواطن وصناعة ثقافة المجتمع المدني

دراسات ميدانية





المواطن وصناعة ثقافة المجتمع المدني PDF طباعة البريد الإلكترونى

كتب جهاد صالح ـ هيئة التحرير ـ واشنطن
خاص وارف المجتمع المدني
الإنسان ذلك الكائن الذي يملك العقل والفكر والطموح والإبداع، لأجل أن يطور من حياته ويحظى بنوع من الاستقرار النفسي والجسدي،  بعيدا عن كل ما يسيء لآدميته فقد قدست الديانات السماوية من الإنسان ، وجعلته من أسمى مخلوقات الله فجعله عاقلا مفكرا مميزا بين الخير والشر، بين الحق والباطل.

قدسية الكائن البشري وتفكيره الباطن والظاهر بالكون ومفاتيح الحياة ونزوعه نحو السلم ، جعلت القوانين الوضعية والتشريعية تمنحه حقوقا كثيرة ، لأجل حماية الإنسان من ظلم أخيه الإنسان ، ودعت تلك الشرائع إلى صيانة كرامة الإنسان. وحماية حقوقه في الحياة والحرية والطفولة والثقافة وغيرها من الحقوق ، التي يجب أن تتوافر لكل كائن بشري . لكن مع الأسف نجد أن الانتهاكات بحق الإنسانية وبحق الشعوب ، تمارس في كل يوم سواء من قبل الأفراد أو من قبل الأنظمة الاستبدادية. سواء لأسباب سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية وفكرية.
لهذا جاء نشوء منظمات مدنية لحماية حقوق الإنسان ، ومنع الإنتهاك أو الإعتداء على الإنسان وحقوقه ،  كونها مقدسة من الدين والشرائع ومن المفروض عدم المساس بها
لكن ما زال الإنسان في مجتمعاتنا يجهل ما له وما عليه ،  يجهل ما هي حقوقه ككائن بشري ،  حقوقه تجاه الدولة والمجتمع والأفراد ،  وذلك يعود إلى الرقابة المسلّطة على حياة الناس وأفكارهم وطموحاتهم لسيطرة نظام لا ديمقراطي ، يرى أن كل ما هو إنساني قد يهز الأشياء من تحت سلطته ، لهذا يعتبر الوعي بحقوق الأفراد في ظل الأنظمة الإستبدادية العسكرية خطرا على النظام لابد من منعه ومحاربته في كل الأوقات والظروف !
لنأتي إلى المجتمع السوري المتنوع بألوانه القومية والإثنية والمذهبية ، هذا التنوع القوس قزحي  يدخل نوعا من التوازن الإجتماعي داخل الدولة ، ويجعل من الواقع السوري كحديقة أزهار مليئة براوئح جميلة تغني المجتمعات الأخرى ، وتجعل من الوطن السوري متوازنا ومستقرا من جميع الجوانب ، شرط أن يكون هناك مساواة وعدالة إنسانية للجميع ، دون تمييز أو تفرقة على أساس ديني أو عرقي أو طائفي . لأن الوطن للجميع .
لكن المأساة أن جميع شرائح المجتمع السوري ،  يفتقدون إلى الحريات الإنسانية، وممنوعون من ممارسة عقائد وحريات ،  هم في أمّس الحاجة إليها ( حرية التعبير- حرية إنشاء مؤسسات مدنية وحقوقية –  تداول السلطة – إجراء انتخابات حرة وشفافة الخ....) .
هذا الواقع الحياتي الأسود الذي يعيشه المواطن منذ استيلاء حزب البعث على السلطة واستئثاره بكل شيء ،  جعلت المواطن يتأخر عن الكثير من المجتمعات الإنسانية المحاطة به ، وأصبح يفتقد العمل بالكثير من الأمور الحضارية ،  و خارج الوعي بالمساهمة في بناء الدولة  المنسية،  وصون حق المواطن السوري بحياة عادلة ونزيهة .. وهنا كان لابد من منظمات ومؤسسات مدنية حقوقية تذكر الناس بواجباتهم نحو أنفسهم ونحو الوطن ،  ونشر ثقافة حقوق الإنسان ، ورصد كل الإنتهاكات  الممارسة بحقه ،  سواء من قبل النظام أو من الأفراد .
فهل نجحت منظمات حقوق الإنسان السورية أو المدنية  بأن  أوصلت المواطن السوري إلى درجة الوعي بحقوقه الإنسانية والدفاع عنها  وآليات  الممارسة ، أو التوعية الإنسانية بحقوقه المشروعة وفق الأعراف والمواثيق الدولية!!!                                                                                                           
 لقد استطاعت  تلك المنظمات أن تفرض نفسها على الواقع السياسي والاجتماعي بصعوبة ، بسبب جهل الشارع السوري بالحقوق ،  وتسلّط السلطة على المجتمع ونشره ثقافة شمولية فردية في أوساط  المواطنين ،  ومحاربة الأجهزة السلطوية لكل المنظمات الإنسانية الحقوقية في سوريا ،  فمارست حتى هذه اللحظة الاعتقال اللاقانوني بحق الناشطين ، والضغط عليهم بمختلف الأساليب ،  وفرض حصار اقتصادي عليهم كالفصل من الوظيفة وإبعادهم عن منطقة عملهم إلى مناطق بعيدة ، أو فرض رقابة على حياتهم وغيرها من أساليب القمع والعقاب .
لكن رغم ذلك  استطاعت منظمات حقوق الإنسان السورية أن تضع لنفسها أسس عديدة ،  أضحت حجر أساس لمستقبل مجتمع حقوقي مدني راقي ومتطور،  وما زيارتهم إلى المنطقة  الكردية أثناء الانتفاضة الكردية 2004 ورصدهم لكل الانتهاكات التي مورست بحق أبناء الشعب الكردي،  وفضح عمليات  الأجهزة الأمنية كالقتل والتعذيب وإرهاب المواطنين،  إلا دليلا على شجاعتهم وإيمانهم بقدسية العمل الإنساني والحقوقي ،  في سبيل بناء دولة سورية حقوقية.
لكن لنكن واقعيين وشفافيين مع أنفسنا ،  المجتمع السوري ما زال جاهلا برمّته لما يسمى بالحق الإنساني،  ولا نجد المواطن إلا ويفكر فقط بلقمة عيشه وبقائه سالما من العقاب والمحاسبة،  ولا يمكن لومه لأنه منذ 44 عاما يتربّى على ثقافة  التبعية ، تنحصر في الولاء والصمت تجاه الحياة العامة والسلطة ومآسيها؟
المنظمات الحقوقية وعمل نشطاء حقوق الإنسان داخل المجتمع السوري ، تنحصر فقط في رصد انتهاكات حقوق الإنسان وفضح مرتكبيها ، وأيضا العمل على توسيع رقعة أعمالها الحقوقية ،  ووضع آليات للضغط على السلطة للتقليل من موجات الانتهاك بحق المواطن السوري الإنسان ،  ورعاية سجناء الرأي والاعتقال السياسي والعمل على إطلاق سراحهم ،  من خلال رعاية المحاكمة وبحضور محامين ومراقبين حقوقيين ،  وإيصال هذا المشهد الأليم لجميع المنظمات الإقليمية والدولية . لعّل وعسى أن يجد هذا النضال في سبيل الإنسان طريقا  إلى النور.
لكن ما يهمّنا هو المواطن السوري،  الذي ما زال في موقف الصمت المميت تجاه حقوقه وطموحاته في الحياة الإنسانية المعهودة،  و أين هو من مجمل الحقوق الإنسانية،  أين هو من دور ونشاط نشطاء الحق الإنساني في سوريا !!.
لماذا لانجد المواطن عونا لهذه المؤسسة الإنسانية والمدنية ولأعضائها،  لماذا يلوذ بالصمت !!!
لا غريب أن نجد معظم مواطني الوطن سوريا يلوذون بالصمت ،  ويجهلون ماذا يعني حق الحياة،  أو حق إبداء الرأي،  أو الحق في دولة مدنية قانونية حقوقية ديمقراطية،  وغيرها من حقوق الإنسان الطبيعية.
طبعا العيش في ظل نظام امني ، القانون هو حكم الطوارىء والأحكام العرفية, وغياب القضاء النزيهن  ووزارة ترعى حقوق الإنسان،  تدفع بكل المواطنين لأن  يعيشوا هواجس الخوف من المعاقبة والسجن وفقدان الخبز والحياة،  هنا جاءت منظمات حقوق الإنسان السورية كنور شمس خفيف ليضيء الحياة الظلامية،  ويشعل بقع ضوء في كل ركن أو في كل لحظة ألم إنساني،  فأضاءت دروب كثيرة، وألقت بنورها على حالات إنسانية كثيرة، وعاشت معاناة الإنسان السوري،  وأوصلت تلك المأساة إلى سطح الحياة،  ونجحت في بناء حس إنساني من منظمات دولية وحتى إقليمية لأجل نصرة حقوق الإنسان السوري وإبداء تعاطفها معه إن أمكن ؟؟
لكن مع الأسف ما زالت منظماتنا الحقوقية والإنسانية فقيرة في كل شيء،  ولم تستطع أن توسّع من فسحاتها،  أو تدفع المواطن لأن  يصل إلى حالة من الوعي الجماعي،  لكي يطالب بحقوقه على أبسط وجه،  فعمليات الرصد وملاحقة كل الجرائم التي تمارس من قبل السلطة أو الأفراد بحق الإنسان السوري،  ورغم إيجابيتها  إلا إن المواطن ما زال بحاجة لدعمه وزرع أفكار تذكّره بالحق الإنساني. وتربيته على ثقافة إنسانية مشروعة  بعيدا عن السياسة والمصالح الشخصية،  لأجل بناء جيل سوري يرعى حقوق الإنسان ويصونها في كل مؤسسات الدولة .
وما على مؤسسات الحقوق الإنسانية السورية،  إلا بالعمل ابتداءا  من المواطن الفرد. وتربيته على ثقافة جديدة وحرة أساسها الإنسان المقدس،  والعمل على امحاء ونزع كل الثقافات  السوداء والمخطئة  التي زرعها النظام في عقله وأنشئه في ظلها .
   إذا لابد من القيام بحملة توعية في إجتماعية،  دون خوف أو تراجع والانطلاق من الشارع على وجه العموم،  ونشر نشرات إعلامية  دورية بين جميع الأوساط والشرائح،  للتعريف بحقوق الإنسان وكل المواثيق والأعراف الدولية التي تخص كل الحقوق الإنسانية،  ويتطلب ذلك التواصل مع الأحزاب السياسية الديمقراطية وأيضا مع منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني الإقليمية والدولية،  لأجل المساعدة في بناء مواطن سوري يمييز بين حقوقه الطبيعية وحقوقه البشرية. وفق مواثيق حقوق الإنسان الدولية.
الحقوق الإنسانية الحرة والمصانة لا يمكن أن تتواجد في ظل دولة أمنية وعرفية وفاقدة للحريات ولحقوق الإنسان.
فكل ما يوحي بالحرية والحقوق والمدنية،  يشكل خرقا للمؤسسة الأمنية الاستبدادية. لأجل هذا نجد نشطاء حقوق الإنسان في سوريا يتعرضون للملاحقة والاعتقال والتعذيب،  وغيرها من أساليب التنكيل،  وما وجود العديد منهم وراء القضبان  إلا دليل على انتهاكات تمارس بحق المواطن السوري،  وجهل جماعي بقدسية ثقافة حقوق الإنسان التي أضحت سمة التطور والحضارة والرقي .
سجناء الرأي وحقوق الإنسان ينالون السجن لنضالاتهم في سبيل وطن سوري إنساني فمثلا:( أنور البني– رياض درار– ميشيل كيلو – مشعل التمو- رياض سيف – فداء الحوراني ...) وغيرهم من النشطاء الشرفاء يتعرضون وما زالوا لأبشع أنواع الانتهاكات بحقهم،  في سبيل نشر ثقافة إنسانية بين جميع أبناء الوطن،  ولا يتوانى النظام ومن ورائه الكثيرين من الفاسدين الذين ينهبون ثروات البلاد،  إلا بتشويه أهداف ومباديء النشطاء الإنسانية  النبيلة.
إذا هناك منظمات ترعى حقوق الإنسان في سوريا،  لكن هي ليست قانونية من وجهة نظر النظام،  وهي تعمل وفق برنامج ذاتي وتتحمل كل المسؤوليات القانونية والحقوقية،  وتتعرض لقمع يومي،  وهذه المنظمات باتت تزداد في ظل الفكر الحقوقي المدني والديمقراطي الإقليمي والدولي،  لكن ما نجده فيها أنها منظمات ذات طابع فردي،  وليست بالمستوى الجماهيري العام،  وتعمل من خلال بيانات أو نشرات  إعلامية تخاطب بها المجتمع السوري والإقليمي والدولي،  أي تفتقد إلى العمل الميداني العام،  وقد تتنازعها المواقف السياسية وترضخ للرؤية السياسية من قضية ما أو انتهاك ما.
لأجل كل هذا آن الآوان لبناء مؤسسات حقوقية عامة ومن داخل المجتمع ككل، وأن تبدأ بنشر ثقافة حقوقية من المواطن الفرد،  حتى الوصول إلى مجتمع واعي بثقافة حقوق الإنسان،  ويكون عونا لكل منظمات حقوق الإنسان ومؤسساتها داخل الوطن. وهذا يساعد في عملية التغيير الديمقراطي السلمي  وبناء دولة مؤسساتية مدنية يكون القانون والدستور سمتها،  وكل الحقوق الإنسانية مقدّسة وأولوية في أجندتها،  وما على المواطن السوري،  إلا أن يسعى لأن  يسترجع حقوقه  المصلوبة،  ويتعاون مع كل نشطاء حقوق الإنسان في سوريا لأجل ترسيخ واقع إنساني جديد،  و صناعة فكر إنساني حقوقي  يبدأ من الجميع ولأجل الجميع.

 
© 2009 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الوارف للدراسات الإنسانية
الكتابات المنشورة على موقع الوارف خاصة بالمعهد، في حال الاقتباس أو النقل عن الموقع يرجى ذكر المصدر المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة توجّه المعهد، في حين تمثل وجهة نظر كاتبيها